عمى القلوب
قبل شهر كنت مسافراً إلى رام الله فاستمعت إلى درس لأحد الشيوخ على إحدى الإذاعات المحلية حول آية من كتاب الله المجيد: " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ " ولا أدري لماذا أوقعت هذه الآية في نفسي أثراً بالغاً ...
الغضب من الشيطان
قال الله تبارك وتعالى في سورة القصص : ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) جاء في فتح القدير للشوكاني رحمه الله تعالى في معرض تفسيره...
وقل ربي زدني علما
جاء في الخبر أن موسى عليه السلام ظن أنه أعلمُ أهل الأرض في زمانه فأراد ربُّنا تبارك وتعالى أن يعلمه أن العلم كله من الله سبحانه يهبه لمن يشاء من عباده .فأرسل الله تعالى موسى الى مجمع البحرين ليلتقي بالعبد الصالح الذي يفوقه علماً . ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا*قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) . في هذه الآيات إشارة إلى أنَّ علمَ الإنسان محدودٌ...
دعاء صاحب الحوت
قال الله تبارك و تعالى في سورة الأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} (الأنبياء 87-88) هذه الآيات تتحدث عن نبي الله يونس عليه السلام، وقصته معروفة وقد وردت في كتب التفسير بالتفصيل ولهذا لن أقف على تفسير هاتين الآيتين ، إنما أحببت أن أركز على...
الخميس، 19 مايو 2011
النجاة في طاعة الله عز وجلّ
الاثنين، 14 فبراير 2011
كان الماضي حقّاً أجمل !!
كانوا أشخاصاً طيبين، يعيشون مع بعضهم، في سهراتهم الطويلة يتحدثون كثيراً عن أمور كثيرة، عن الوطن الممزق عن الظلم، يروون قصصاً كثيرة الإنسان فيها أكثر إشراقاً ومحبة. يقولون أن الناس "زمان" كانوا أكثر صدقا وطيبة، أن الحياة كانَ لها شكلاً أعمق، والمعاني كانت تفيض من كل شيء. كل شيء له معنى، الأمور التي نراها بسيطة الآن كانت قيّمة.. يتحدثون عن كل الأمور التي لم تعد موجودة. المحبة والأحاسيس النبيلة، الخير الكثير وراحة البال والأمان.. كل هذه الأشياء لم تعد موجودة – كما يقولون بالطبع. فهم عارفون بأمور الماضي كلها، الماضي كان أفضل بلا شك.. كيف وصلنا إلى هنا إذن؟.. سألت ذات مرة أحدهم. إن كان ماضيكم جيداً وكنتم أناساً جيدين، وكل هذا السوء لم يكنْ موجوداً – بعد- فكيف أنجب هذا الماضي الجيد واقعاً مظلماً؟ لقد كان سؤالا محرماً، بعض الماضي يكاد يكون مقدساً إلى درجة أصبح من غير الممكن أن نسأل عنه، كان علي تقبل الأشياء كما هي دون أن أسأل.. فلسبب ما أنجب الماضي الطاهر واقع الخطيئة، ربما السبب أبناء هذا الجيل الخاطئين، ربما هذا التفسير أسهل من السؤال نفسهِ علينا، ولا بأس أن لا نفهم أي شيء.. الأشخاص الطيبون الذين لم يفقدوا الإيمان بالعادات القديمة، يعرفون كل القصص الجميلة التي لم تعد تحدث، وبعض القصص الأخرى التي يصعب أن تحدث حتى في أحلامنا، لكنهم يؤكدون أنها حدثت، كما حدث في تلك القصة التي سأرويها عنهم :
يقولون أنه مرّت أيام قحط شديدة القسوة والجفاف، ماتت أغلب الماشية وجفّ الزرع ونتن الهواء.. انتشرت الأمراض الغريبة، حصدت أرواح الكثيرين، كانوا يصلون نهارَ مساء، للإله ِ العظيم أن يرفع عنهم هذا البلاء الشديد.. وبينما هم يصلون في مصلاهم، إذ جاء عليهم طفل يصرخ: مطر.. مطر، المطر رح يجي لعنا .. خرج الأهالي جميعاً مهللين.. ينظرون إلى السماء الغائمة، يشتمون أنفاس الريح الباردة النقية، كادوا ينسون طعم الّريح القادم من الغرب بنكهته البحرية ويتلذذون بأولى حبات المطر تسقط هادئة وناعمة. وبينما هم كذلك، أبصروا رجلاً قادماً من بعيد، يرتدي لباساً أبيضاً.. فاستغربوا شأنه وعلى عادتهم الطيبة ركضوا نحوه مستقبلين. استضاف أهل القرية هذا الرجل في مضافة القرية، وحدثوه عن محنتهم وشدة كربتهم، وعن صلاتهم ودعائهم .. وعن هذا اليوم المبشر الذي اجيبت فيه صلواتهم وفتحت السماء صدرها لهم. استمع الرجل بصبر، وهزَ رأسه باهتمام... ثم رفع يده طالبا منهم السكوت، وبدأ بالحديث: اليوم أجيبت صلواتكم من السماء، ولقد أتيتكم منها حاملاً معي المطر والغوث، لأعلن نهاية البلاء، وبداية العصور الخضراء.. فأنا البشير لكم. بهت أهل القرية لكن كبيرهم قام وصاح: يا مرحباً بكَ أيها البشير، بت بيننا عزيزاً ومكرماً..
وأخذت الحكايات تنتشر في القرية، عن الرجل الذي جاء حاملاً المطر وقدم رسولاً بالخير، وعن بركاته وكراماته وعجائبه. وأخذ الناس يتدافعون إلى المضافة، يتمسحون بجسده ولباسه الأبيض ويطلبون الرضا والمغفرة والوساطة عند السماء، والدعاء المستجاب. وقد حاولَ الأهل تقديم القربات والعطايا لهذا الرجل المبارك، لكنه كان يرفض قبولها.. ولم يأخذ حتى الأكل البسيط.
ومكث فيهم أسبوعاً صائماً عابداً.. وفي اليوم الثامن، أرسل إلى الناس خبراً، بأنه تلقى أمراً بالرحيل، وأنه يريد أن يجمعهم لكلمة أخيرة، يودعهم بها. فاجتمع الناس.. وأخذ الرجل بالحديث، فذكرهم بالخير والأخلاق، وأطال بالوعظ.. ودعا لهم ثم سكت. فقام أحد رجال القرية وقال: يا أيها الرجل الذي أتيتنا حاملا المطر، لكنك لم تأخذ شيئاً حتى الأكل، فبقيت صائماً بيننا بعد أن جلبت لنا سبب الحياة وإنا لنخشى أن تذهب هكذا فتعود السماء إلى غضبها.. فوقف الرجل وأدار بنظره على الجالسين، ثم قال: أما العطايا فلم آتي لأجلها، إنما أنا رجل أتيتكم ببشرى، وسأذهب كما أتيت. ولكن إن أردتم أن لا تنساكم السماء مرة أخرى ولا تضل غيماتها عنكم، فأرسلوا معي وثائق ما ملكتم من الأرض والزرع، لأختمها بختم الأولياء الموجود عند الولي الأكبر في مدينة أخرى، على أن أعيدها لكم السنة القادمة في رحلتي المقدسة.
ويومها، تدافع أهل القرية بوثائق أراضيهم يحفظونها مع هذا الرجل المبارك، ومن أقدس سراً من الأولياء الصالحين؟..
لكن القصص التي تبدأ سعيدة لا تنتهي كذلك دائماً، فقد مرّت سنة، واثنتين.. والرجل المبارك لم يعد. ثم في السنة الثالثة هجم على القرية جنود وغرباء ادعوا ملكية الأرض.. وعندما احتج الأهالي، اخرج الغرباء وثائق ملكية تثبت صحة أقوالهم. ولم يستطع أهالي القرية إثبات حقوقهم، وقال بعض الناس دعونا ننتظر السنة القادمة علّه يأتي الرجل الصالح، وطلبوا مهلة عامٍ .. ومرت السنة وتلتها السنة، فقال بعض الناس: نرحلُ نحن ونبحث عن الرجل الصالح ونأخذ وثائقنا، فحزموا أمتعتهم ومضوا.
يقول الناس الطيبون: أنهم أضنوا قلوبهم في الإنتظار، لكن أحداً لم يجيء، لا رجل المطر، ولا أولئك الذين رحلوا في البحث عنه. أما قريتهم فقد هجروا عنها إلى قرية مجاورة، ثم هجروا مجدداً إلى أماكن أخرى.. وهكذا كتبت عليهم الغربة والفقد وتشتتوا.. ومن تبقى منهم لا يزال يدعو باسم الرجل الصالح الذي حمل إليهم المطر.
الآن من سيصدق أن رجلاً ما يحمل على ظهره المطر ويجوب الأرض؟.. ثم مهما كانت رحلته مقدسة، ولو جاب الأرض كلها فلن يستغرق كل هذه السنوات!. هذا يحدث في الماضي فقط.
في طريق المخيم الضيق، وفي يوم ممطر.. ضحكنا كثيراً أنا وأخي على هذه القصة.. على أبطالها الساذجين ورواتها الأكثر سذاجة، وعلى جدتي التي سوف تقاطعنا اربعين يوماً إن هي علمت أننا ضحكنا. كان الطريق ضيقاً واليوم ممطراً... ونحن نضحك على تلك الفكرة التي تبدو ساذجة بأن الأشياء كانت أفضل في السابق، استنتجنا من هذه القصة ومثيلاتها أن الأشياء لم تكن أفضل، لكن الناس كانوا أجهل من أن يدركوا ذلك. كنا ذاهبين لإستلام حصتنا من الطحين .. من إحدى المنظمات الخيرية، كان كيساً صغيراً جدا علينا، ومع ذلك كنا نمشي مسافة طويلة لإستلامه.. كنت أفكر بكل هذا الحديث الذي بدأناه لنضحك.. لكنه أوصل قلبي إلى غصة مكبوتة، من الأفضل أن تظل كذلك.. ولوقت طويل حاولت أن أطرد من بالي سؤالاً ملحاً : ما وجه الشبه بين ذلك الرجل الذي حمل المطر، وهؤلاء الذين يحملون إلينا الطحين؟..لا.. ليس ثمة شبه بين غيمة مطر كثيفة، وكيس الطحين الصغير هذا.
ابتسمت مع داخلي، ربما.. الماضي حقاً أجمل، فالناس لم يكونوا ليصدقوا رجلا يحمل كيس طحين.
الجمعة، 14 يناير 2011
سرابُ الكافرين خيبةٌ مركَّبة
قال الله تعالى ( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )(إبراهيم 25)
بداية أتناول المثل القرآني من سورة إبراهيم ، في قول الله تعالى : (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) )(إبراهيم18 ).
أي أن الكفار الذين عبدوا غير الله سبحانه وتعالى لا يستفيدون من أعمالهم يوم القيامة، فهي كالرماد الذي نثرته رياح عاصفة لا يمكن جمعه. وهذا هو الخسران المبين لأن أعمالهم مهما كثرت فهي مُحبطةٌ بسبب كفرهم بالله الواحد الأحد.فأعمال الكافرين لا يعتد بها مهما بلغت ولا يكون للكفرة قدرٌ عند الله سبحانه ولا منزلةٌ، يقول الله سبحانه في سورة الكهف: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا *
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة " ، وقال اقرءوا إن شئتم : (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) .
وقال أبو سعيد الخدري : يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة ، فإذا وزنوها لم تزن شيئا ، فذلك قوله تعالى (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا )
ويقول الله تبارك وتعالى في سورة النور : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ *(39)
والمعنى أن الكفار يُعَوّلون على أعمالهم التي يظنونها من الخير ويطمعون في ثوابها ، فإذا قدموا على الله سبحانه لم يجدوا منها شيئا ؛ لأن الكفر أحبطها ومحا أثرها، تماماً مثل الظمآن الذي يحسب السراب في الصحراء ماءً فإذا ما اقترب منه لم يجد شيئا. ثم ذكر سبحانه ما يدل على زيادة حسرة الكفرة ، وأنه لم يكن قصارى أمرهم مجرد الخيبة كصاحب السراب فقال : (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أي وجد الله بالمرصاد فوفاه حسابه أي جزاء عمله .
أسأل الله السلامة والعافية.
السبت، 8 يناير 2011
التاريخ اللولبيّ
عندما يحدث حادث قد تكرر في التاريخ كثيراً ما نسمع مقولة " التاريخ يعيد نفسه " وليس هنالك ما يدعو للعجب في هذه المقولة إنما تذكرت في إحدى محاضرات الفلسفة ما قالته الدكتورة يومها" أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل لولبي "وأعجبتني هذه العبارة ، فقد فهمتها أنا كالتالي: أن الأحداث قد تتكرر عبر التاريخ البشري في صورتها العامة وليس حرفاً بحرف، ولكن تتغير الظروف والشخوص والأزمان والأماكن والوسائل. واليوم قرأت صباحاً سورة الأعراف وعندما تلوتُ الآية ( 137 ) تذكرت هذه العبارة فخطر في بالي أن أكتبها على المدونة، قال الله تعالى :
" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ".
أي أورث الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل أرض مصر والشام وقيل جميع الأرض جزاءً لهم على صبرهم على العذاب الذي ألحقه بهم فرعون وقومه باستعبادهم وتسخيرهم لخدمتهم، وقتله أبناءَهم ،ودمر الله تبارك وتعالى أبنية وقصور فرعون وقومه.
والذي أريد قوله هنا أن التاريخ أعاد نفسه بشكل لولبي، فاليهود الآن هم الطغاة والظلمة والمفسدون في الأرض المباركة الذين يقتلون شعباً أعزلاً ويستضعفونه، والمؤمنون الصابرون هم أنفسهم الشعب المستضعف .فسبحان الله تعالى وكأن الزمان استدار وعاد ليكون المؤمنون مستضعفين مرةً أخرى مع تغير الشخوص والزمان والمكان في المشهد.
بقي أن أنوه للفارق بيننا وبين اليهود في هذا المشهد ، فهم أتقنوا بامتياز دورَ الطغاة "فرعون وهامان وجنودهما"، أما نحن فلم نتقن إلى الآن جيداً دورَ المؤمنين الصابرين الجديرين بالاستخلاف في الأرض .
ثمّ تأكدت عبارة " أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل لولبي "عندما مررت بالآية (169)، قال تعالى :
"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ".
قال المفسرون هم اليهود ، ورثوا كتاب الله فقرءوه وعلموه ، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له . فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا .
يأخذون عرض هذا الأدنى ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم . ويقولون سيغفر لنا وهم لا يتوبون . ودل على أنهم لا يتوبون قوله تعالى وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه والعرض : متاع الدنيا ; والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة . ثم ذمهم باغترارهم في قولهم " سيغفر لهم " وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها ، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون ، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم .
وبالفعل التاريخ يعيد نفسه فقد جاء جيلٌ أو أجيالٌ من المسلمين بدّلوا وأولوا القرآن كما أول اليهود وحرّفوا كتابهم، ونسمع كثيراً قول الذين يقولون أن الله تعالى غفور وتواب رحيم، وهذا حقّ، ولكن الله تبارك وتعالى غفور وتواب لمن يتوب ويقلع عن المعاصي والذنوب والآثام ويبادر إلى الصالحات من الأعمال فيتوب الله تعالى عليه ويرحمه ويدخله جناته ، أما الذين يصرون على المعاصي والذنوب ولا يقومون بالفرائض التي فرضها الله فينطبق عليهم قولُ الله تعالى في الآية السابقة .
الجمعة، 7 يناير 2011
تلاشي
الخميس، 30 ديسمبر 2010
لا تكن من هؤلاء
تطرقت إلى ضرب الأمثال في القرآن في موضوع سابق تعلق بتشبيه المسيح عليه السلام بآدم عليه السلام،واليوم سأتناول الصورة في هذه الآية، قال الله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (5، الجمعة).
من حكمِ ضَرْبِ هذا المثل القرآني التقريع والتوبيخ ، إذ إن هذا التشبيه يجعل المرء يتدبر قول الله تعالى مع تخيل صورة حمارٍ يحمل كتباً لا يفقه منها شيئاً،فلا يعمل بما فيها ولا يستفيد منها،وكذلك اليهود فقد أنزل الله عز وجلّ لهم التوراة ليحكموا بها ويديروا شئون حياتهم وفق ما جاء فيها من أحكام شرعية، فلم يفعلوا ذلك وتنكروا لدين الله تبارك وتعالى واتخذوه وراء ظهورهم، فقتلوا فريقاً من الأنبياء وكذبوا فريقاً آخر، فاستحقّوا هذا التشبيه.
وقد يظنّ ظانٌّ أن هذه الآية خاصةٌ باليهود، ولكن مراد هذه الآية-والله أعلم-بيانُ الصورة القبيحة لمن يَتَنكر لدين الله عز وجل، ولحثِّ المسلمين على التمسك بدين الله وكتابه المجيد والعمل وفقَ أحكامه، وعدم التشبه باليهود بترك العمل به، فإن فعلوا فعلَ اليهود كانوا مثلَهم في استحقاقهم لأن يكونوا كالمشبه به (الحمار) في الآية الكريمة.
وفي المرة القادمة إن شاءَ اللهُ تَعالى سأكونُ معكم في مثلٍ قرآنيّ آخَر .
الأحد، 26 ديسمبر 2010
عمـَى القلوب
قبل شهر كنت مسافراً إلى رام الله فاستمعت إلى درس لأحد الشيوخ على إحدى الإذاعات المحلية حول آية من كتاب الله المجيد: " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ " ولا أدري لماذا أوقعت هذه الآية في نفسي أثراً بالغاً فلعلّها ذكَّرتني بأن الظلمَ قد حرّمه اللهُ عزَّ وجَلّ على عباده فقال في الحديث القدسيّ " يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " أو لأنها آيةُ تعزيةٍ ومواساةٍ لكل من وقع عليه ظلمٌ ،وآيةُ تهديدٍ ووعيدٍ لكل ظالمٍ أبى إلا أن يستكبر في الأرض بغير الحق.
والسؤال ما الذي بدا من الله عز وجل حتى ظنّ بعضُ الناس أو كثيرٌ منهم أن الله غافلٌ (حاشاه سبحانه)عما يعمل الظالمون؟
إنّ من صفات الله تبارك وتعالى " الحليم"، والله عز وجلّ له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم، فإن الذنوب تقتضي تَرَتٌّبَ آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم. كما قال الله تعالى : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45 فاطر). (الجامع لأسماء الله الحسنى (ابن القيم-القرطبي))
ولكن عندما يصيب المرءَ داءُ الغرور والكبر تعمى القلوبُ التي في الصدور فيظنُّ الظالمُ أنَّه يتصرف بالأمور كما يشاء دون حسيب أو رقيب، ويغترّ بقوته وتسلطه على العباد وإيذائه للناس، وينسى قول الله عز وجلّ " وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ " (الأعراف 182) .
وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: {وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} رواه البخاري ومسلم.
وقال عمر رضي الله عنه: «واتقِ دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة».
وقيل: إن الظلم ثلاثة: فظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم مغفور لا يُطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، نعوذ وإياكم بالله تعالى من أن نشرك به شيئا، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (سورة النساء:48)، وأما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعضهم بعضًا، وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب، فظلم العبد نفسه.
قال أبو العتاهية:
أمــا والله إن الظلـم لـؤم وما زال المسيئ هو الظلوم
إلى ديـان يـوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصـوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا غـداً عند الإله من الملـوم
ماهر قرواني
