‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر قرآنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر قرآنية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 19 يوليو 2012

وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ

قبل يومين أو ثلاثة سمعت آية من القرآن العظيم, وهي قوله سبحانه وتعالى :} وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ{ (الآية 45 سورة ابراهيم)، فخطر ببالي على الفور حال رئيس مصر الحالي الدكتور محمد مرسي وحال الرئيس السابق مبارك ، فعجبت لهذا الأمر وكأن الآية نزلت حينها.
أنظروا إخوتي الأعزاء أن محمد مرسي كان سجيناً ظلماً وعدواناً من سجّانه مبارك الظالم ، الذي ظلم نفسه بابتعاده عن دين الحق وموالاة اليهود والأمريكان ضد شعبه وأمته، وظلمه لشعبه بنهبه هو وأسرته وأصهاره وأصدقائه لأموال الشعب المصري فألحق به الضرر الجسيم مما زاد الناس فقراً وضنكا ثم ظلمه هو والطغمة الحاكمة التي كانت محيطة به للناس باعتقالهم وتعذيبهم وتشريدهم عن عائلاتهم ، فأملى ربنا تبارك وتعالى له كما أملى لفرعون من قبله ولجميع الفراعنة على مرّ الأزمنة ولم يتعظ بالرؤساء الذين سبقوه ماذا حلّ بهم، ثم جاء العقاب فكان ما كان ،أي عقاب أعظم من أن ترى الشخص الذي كان يقبع في سجونك يرفعه ربّه عز وجل منزلة فيسكنه قصر فرعون مصر الحديث ، ليكون هذا المشهد آية من آيات الله تبارك وتعالى التي كثيرٌ من الناس يغفل عنها، كما جاء في قوله تبارك وتعالى في سورة يونس:(وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ).

ويجدر بالرئيس المصري مرسي أن يكون أهلاً للثقة، فيكون عند حسن ظن الناس به فهم يظنون به خيرا ولهذا هم اختاروه، فهو يحفظ كتاب الله عز وجل ولهذا نظن به خيراً فنذكره بالعدل بين الناس ونشر الأمن والأمان وحفظ أرواح الناس وممتلكاتهم وأعراضهم ، وهذه مسؤولية عظيمة قد قبل أن يحملها، فنسأل الله أن يوفقه في أداءه وأن يجعل مصر قوية عزيزة لتكون قائدة لهذه الأمة.

الخميس، 15 سبتمبر 2011

العهد مع الله تعالى

قال الله تعالى( َالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )( الرعد25)

جاء في تفسير بن كثير رحمه الله تعالى :هذا حال الأشقياء وصفاتهم ، وذكر مآلهم في الدار الآخرة ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون ، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا ، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن يوصل ، وهؤلاء ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض كما ثبت في الحديث : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان " وفي رواية : " وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .
ولهذا قال : (أولئك لهم اللعنة) وهي الإبعاد عن الرحمة ، ( ولهم سوء الدار) وهي سوء العاقبة والمآل ، ومأواهم جهنم وبئس القرار ،انتهى كلام بن كثير .


نلاحظ أن الله تبارك وتعالى في هذه الآية حدّد صفات الفاسقين وهي ثلاث: نقض العهد وهو عهد التوحيد أي عبادة الله وحده لا شريك له، وقطعهم للرحم وغيرها وإفسادهم في الأرض بارتكاب المعاصي والذنوب ومخالفة أوامر الله عز وجلّ وفعل نواهيه فاستحقوا بذلك العذاب الشديد وطردهم من رحمة الله سبحانه.
وهذه الصفات تماما عكس ما يتصف به المؤمنون، ففي الآيات التي سبقت الآيات عن المنافقين من نفس السورة يقول الله تبارك وتعالى : 
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ*
وقد ضرب الله أمثالاً كثيرة عن الذين ينقضون عهودهم مع الله سبحانه فمثلاً في سورة الأنعام يقول الله عز وجل:

(قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين* قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) الأنعام63-64
ومثل آخر في سورة التوبة، في قوله تعالى عن المنافقين:
وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (التوبة75-77) 

وهنا يَجدرُ التحذير من خداع النفس لصاحبها فقد توسوس له بنقض العهد مع الله تعالى بالنكوص إلى الوراء لمخالفة أمر الله تعالى وإتباع الشيطان ليضله ضلالاً بعيدا إلى أن يصل بالعبد إلى الإشراك بربه تبارك وتعالى ، فيهوي به إلى سوء الدار،أعاذنا الله عز وجل وإياكم من سوء العاقبة.

الخميس، 19 مايو 2011

النجاة في طاعة الله عز وجلّ


قال الله تعالى في سورة القصص :

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (القصص،الآية 7)

جاء في تفسير الشوكاني لهذه الآية   (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ )   أي : ألهمناها وقذفنا في قلبها وليس ذلك هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل ، وقيل : كان ذلك رؤيا في منامها ، وقيل : كان ذلك بملك أرسله الله يعلمها بذلك .
 
وقد أجمع العلماء على أنها لم تكن نبية ، وإنما كان إرسال الملك إليها عند من قال به على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما ،   (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ )   فإذا خفت عليه من فرعون بأن يبلغ خبره إليه فألقيه في اليم وهو نهر النيل ، ولا تخافي ولا تحزني أي : لا تخافي عليه الغرق أو الضياع ، ولا تحزني لفراقه إنا رادوه إليك عن قريب على وجه تكون به نجاته وجاعلوه من المرسلين الذين نرسلهم إلى العباد .
والملفت للنظر في هذه الآية أن الله تبارك وتعالى يوحي إلى أمّ موسى ويأمرها بأنها إذا خافت على ابنها وفلذة كبدها من فرعون أن تلقيه في النيل العظيم الذي ركوبه في الأصل يثير الرعب والخوف في النفس، ويطمئنها ربنا تبارك وتعالى بأنه عز وجلّ سيرده إليها ويجعله رسولا لكي تزداد طمأنينة وقد كان .وهذا درس لكل المؤمنين عبر التاريخ والأزمان أن النجاة والطمأنينة تكمن في طاعة الله عز وجلّ حتى لو كان في ظاهرها الخوف والخطر.    

الجمعة، 14 يناير 2011

سرابُ الكافرين خيبةٌ مركَّبة


قال الله تعالى ( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )(إبراهيم 25)
بداية أتناول المثل القرآني من سورة إبراهيم ، في قول الله تعالى : (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) )(إبراهيم18 ).

أي أن الكفار الذين عبدوا غير الله سبحانه وتعالى لا يستفيدون من أعمالهم يوم القيامة، فهي كالرماد الذي نثرته رياح عاصفة لا يمكن جمعه. وهذا هو الخسران المبين لأن أعمالهم مهما كثرت فهي مُحبطةٌ بسبب كفرهم بالله الواحد الأحد.فأعمال الكافرين لا يعتد بها مهما بلغت ولا يكون للكفرة قدرٌ عند الله سبحانه ولا منزلةٌ، يقول الله سبحانه في سورة الكهف: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا *

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة " ، وقال اقرءوا إن شئتم : (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) .
وقال أبو سعيد الخدري : يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة ، فإذا وزنوها لم تزن شيئا ، فذلك قوله تعالى (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا )

ويقول الله تبارك وتعالى في سورة النور : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ *(39)

والمعنى أن الكفار يُعَوّلون على أعمالهم التي يظنونها من الخير ويطمعون في ثوابها ، فإذا قدموا على الله سبحانه لم يجدوا منها شيئا ؛ لأن الكفر أحبطها ومحا أثرها، تماماً مثل الظمآن الذي يحسب السراب في الصحراء ماءً فإذا ما اقترب منه لم يجد شيئا. ثم ذكر سبحانه ما يدل على زيادة حسرة الكفرة ، وأنه لم يكن قصارى أمرهم مجرد الخيبة كصاحب السراب فقال : (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أي وجد الله بالمرصاد فوفاه حسابه أي جزاء عمله .

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ *(40)
وضرب الله مثلاً آخراً لأعمال الكفار كما أنها تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات ، فهي أيضا تشبه الظلمات، والمعنى : يغشاه موج من بعده موج ، فيكون الموج يتبع بعضه بعضا حتى كأن بعضه فوق بعض ، والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه ، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه زاد الخوف شدة ؛ لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر ، ثم إذا أمطرت تلك السحاب وهبت الريح المعتادة في الغالب عند نزول المطر تكاثفت الهموم وترادفت الغموم ، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها غاية ، ولهذا قال سبحانه : ( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) أي هي ظلمات متكاتفة مترادفة ، ففي هذه الجملة بيان لشدة الأمر وتعاظمه .

أسأل الله السلامة والعافية.


السبت، 8 يناير 2011

التاريخ اللولبيّ



عندما يحدث حادث قد تكرر في التاريخ كثيراً ما نسمع مقولة  " التاريخ  يعيد نفسه " وليس هنالك ما يدعو للعجب في هذه المقولة إنما تذكرت في إحدى محاضرات الفلسفة ما قالته الدكتورة يومها" أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل لولبي "وأعجبتني هذه العبارة ، فقد فهمتها أنا كالتالي: أن الأحداث قد تتكرر عبر التاريخ البشري في صورتها العامة وليس حرفاً بحرف، ولكن تتغير الظروف والشخوص والأزمان والأماكن والوسائل. واليوم قرأت صباحاً سورة الأعراف وعندما تلوتُ الآية ( 137 ) تذكرت هذه العبارة فخطر في بالي أن أكتبها على المدونة، قال الله تعالى :
" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ".
أي أورث الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل أرض مصر والشام وقيل جميع الأرض جزاءً لهم على صبرهم على العذاب الذي ألحقه بهم فرعون وقومه باستعبادهم وتسخيرهم لخدمتهم، وقتله أبناءَهم ،ودمر الله تبارك وتعالى أبنية وقصور فرعون وقومه.
والذي أريد قوله هنا أن التاريخ أعاد نفسه بشكل لولبي، فاليهود الآن  هم الطغاة والظلمة والمفسدون في الأرض المباركة الذين يقتلون شعباً أعزلاً ويستضعفونه، والمؤمنون الصابرون هم أنفسهم الشعب المستضعف .فسبحان الله تعالى وكأن الزمان استدار وعاد ليكون المؤمنون مستضعفين مرةً أخرى مع تغير الشخوص  والزمان والمكان في المشهد.
بقي أن أنوه للفارق بيننا وبين اليهود في هذا المشهد ، فهم أتقنوا بامتياز دورَ الطغاة  "فرعون وهامان وجنودهما"، أما نحن فلم نتقن إلى الآن جيداً دورَ المؤمنين الصابرين الجديرين بالاستخلاف في الأرض .
ثمّ تأكدت عبارة " أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل لولبي "عندما مررت بالآية (169)، قال تعالى :
"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ".
قال المفسرون هم اليهود ، ورثوا كتاب الله فقرءوه وعلموه ، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له . فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا .
يأخذون عرض هذا الأدنى ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم . ويقولون سيغفر لنا وهم لا يتوبون . ودل على أنهم لا يتوبون قوله تعالى وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه والعرض : متاع الدنيا ; والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة . ثم ذمهم باغترارهم في قولهم " سيغفر لهم " وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها ، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون ، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم .
وبالفعل التاريخ يعيد نفسه فقد جاء جيلٌ أو أجيالٌ من المسلمين بدّلوا وأولوا القرآن كما أول اليهود وحرّفوا كتابهم، ونسمع كثيراً قول الذين يقولون أن الله تعالى غفور وتواب رحيم، وهذا  حقّ، ولكن الله تبارك وتعالى غفور وتواب لمن يتوب ويقلع عن المعاصي والذنوب والآثام ويبادر إلى الصالحات من الأعمال فيتوب الله تعالى عليه ويرحمه ويدخله جناته ، أما الذين يصرون على المعاصي والذنوب ولا يقومون بالفرائض التي فرضها الله  فينطبق عليهم قولُ الله تعالى في الآية السابقة  .

الخميس، 30 ديسمبر 2010

لا تكن من هؤلاء




تطرقت إلى ضرب الأمثال في القرآن في موضوع سابق تعلق بتشبيه المسيح عليه السلام بآدم عليه السلام،واليوم سأتناول الصورة في هذه الآية، قال الله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (5، الجمعة).

من حكمِ ضَرْبِ هذا المثل القرآني التقريع والتوبيخ ، إذ إن هذا التشبيه يجعل المرء يتدبر قول الله تعالى مع تخيل صورة حمارٍ يحمل كتباً لا يفقه منها شيئاً،فلا يعمل بما فيها ولا يستفيد منها،وكذلك اليهود فقد أنزل الله عز وجلّ لهم التوراة ليحكموا بها ويديروا شئون حياتهم وفق ما جاء فيها من أحكام شرعية، فلم يفعلوا ذلك وتنكروا لدين الله تبارك وتعالى واتخذوه وراء ظهورهم، فقتلوا فريقاً من الأنبياء وكذبوا فريقاً آخر، فاستحقّوا هذا التشبيه.

وقد يظنّ ظانٌّ أن هذه الآية خاصةٌ باليهود، ولكن مراد هذه الآية-والله أعلم-بيانُ الصورة القبيحة لمن يَتَنكر لدين الله عز وجل، ولحثِّ المسلمين على التمسك بدين الله وكتابه المجيد والعمل وفقَ أحكامه، وعدم التشبه باليهود بترك العمل به، فإن فعلوا فعلَ اليهود كانوا مثلَهم في استحقاقهم لأن يكونوا كالمشبه به (الحمار) في الآية الكريمة.

وفي المرة القادمة إن شاءَ اللهُ تَعالى سأكونُ معكم في مثلٍ قرآنيّ آخَر .

الأحد، 26 ديسمبر 2010

عمـَى القلوب


    قبل شهر كنت مسافراً إلى رام الله فاستمعت إلى درس لأحد الشيوخ على إحدى الإذاعات المحلية حول آية من كتاب الله المجيد:  " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ " ولا أدري لماذا أوقعت هذه الآية في نفسي أثراً بالغاً فلعلّها ذكَّرتني بأن الظلمَ قد حرّمه اللهُ عزَّ وجَلّ على عباده فقال في الحديث القدسيّ " يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " أو لأنها آيةُ تعزيةٍ ومواساةٍ لكل من وقع عليه ظلمٌ ،وآيةُ تهديدٍ ووعيدٍ لكل ظالمٍ أبى إلا أن يستكبر في الأرض بغير الحق.
والسؤال ما الذي بدا من الله عز وجل حتى ظنّ بعضُ الناس أو كثيرٌ منهم أن الله غافلٌ (حاشاه سبحانه)عما يعمل الظالمون؟
إنّ من صفات الله تبارك وتعالى " الحليم"، والله عز وجلّ له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم، فإن الذنوب تقتضي تَرَتٌّبَ آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم. كما قال الله تعالى : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45 فاطر). (الجامع لأسماء الله الحسنى (ابن القيم-القرطبي))
ولكن عندما يصيب المرءَ داءُ الغرور والكبر تعمى القلوبُ التي في الصدور فيظنُّ الظالمُ أنَّه يتصرف بالأمور كما يشاء دون حسيب أو رقيب، ويغترّ بقوته وتسلطه على العباد وإيذائه للناس، وينسى قول الله عز وجلّ " وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ " (الأعراف 182) .
وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: {وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} رواه البخاري ومسلم.
وقال عمر رضي الله عنه: «واتقِ دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة».
وقيل: إن الظلم ثلاثة: فظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم مغفور لا يُطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، نعوذ وإياكم بالله تعالى من أن نشرك به شيئا، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (سورة النساء:48)، وأما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعضهم بعضًا، وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب، فظلم العبد نفسه.

قال أبو العتاهية:
أمــا والله إن الظلـم لـؤم وما زال المسيئ هو الظلوم
إلى ديـان يـوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصـوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا غـداً عند الإله من الملـوم

ماهر قرواني

الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

الغضب من الشيطان



قال الله تبارك وتعالى في سورة القصص :

( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ )
جاء في فتح القدير للشوكاني رحمه الله تعالى في معرض تفسيره لقوله تعالى( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) أي دخل موسى المدينة مستخفياً قيل : لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون وفشا ذلك منه ، فأخافوه فخافهم ، فكان لا يدخل المدينة إلا مستخفيا) . فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ) أي : ممن شايعه على دينه ، وهم بنو إسرائيل ( وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ )أي : من المعادين له على دينه وهم قوم فرعون (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ) أي : طلب منه أن ينصره ويعينه على خصمه (عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ )  أغاثه لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل .
  قيل : أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا لمطبخ فرعون فأبى عليه واستغاث بموسى( فَوَكَزَهُ مُوسَى )الوكز الضرب بجمع الكف ، وهكذا اللكز واللهز . وقيل : اللكز على اللحى ، والوكز على القلب . وقيل : ضربه بعصاه .
ثم يتابع الشوكاني (فَقَضَى عَلَيْهِ) أي قتله . قيل : لم يقصد موسى قتل القبطي ، وإنما قصد دفعه فأتى ذلك على نفسه ، ولهذا (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل ؛ لأنه لم يكن إذ ذاك مأمورا بقتل الكفار .
وقيل : إن تلك الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأمونا عندهم ، فلم يكن له أن يغتالهم .
ثم وصف الشيطان بقوله :(إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) أي : عدو للإنسان يسعى في إضلاله ، ظاهر العداوة والإضلال.
وفي تفسير البغوي جاء  في شرحه لقوله تعالى (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، والاستغاثة : طلب الغوث  فغضب موسى واشتد غضبه ; لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم.
وهنا أودّ أن أقول بخصوص قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)
كأن موسى عليه السلام يريد أن يشير إلى حقيقة أن الغضب من الشيطان فهو تسبب بقتل نفس لم يؤمر بقتلها  .
ويصدق هذا الاستنتاج قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : ( إن الغضب من الشيطان، خُلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) رواه أبو داود.

وعن سلمان ابن صرد  قال: ( إستب رجلان عند النبي  فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، قال رسول الله  : ( إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. ) [رواه مسلم].

ثم طلب سيدنا موسى عليه السلام من الله - سبحانه - أن يغفر له ما وقع منه .
(قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر وموسى - عليه السلام - ما زال نادما على ذلك خائفا من العقوبة بسببه : حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول : إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها ، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح .

الاثنين، 11 أكتوبر 2010

حُجَجٌ بلا علّة


قرأت البارحة هذه الآيات من سورة الزمر فوقفت عند الحجج التي يتعلل بها الكافرون يوم القيامة ويبررون بها كفرهم بالله الواحد الأحد.والحقيقة أن الذي استوقفني عند قراءة هذه الآيات هو حرف العطف " أو" في الآيتين 57 ،58 .
يقول الله تبارك وتعالى :

وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ *
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتىٰ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ  . (الزمر  54-59)

  فالحرف " أو " حرف عطف يفيد التخيير والتحيير( أو الابهام) والشك والتقسيم وللإضراب  ويفيد الأباحة والإستثناء، ولكن هنا يفيد التقسيم ، أي تقسيم الكفار من حيث حججهم يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف ،فالسياق يدل على هذا المعنى للحرف .
فأنا أعرف  أن الله سبحانه وتعالى  يعلم قطعاً  ما سيقوله الكفار يوم القيامة من ذرائع وحجج واهية بالتحديد ، ولكن ذكر هنا ثلاثة أصناف لأقوال الكفار، فما الحكمة من ذلك ؟

أقول والله تعالى أحكم وأعلم أن هذه أقوال ثلاث أصناف من الكافرين فالصنف الأول يقول  "أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتىٰ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "

والثاني منهم يقول  " أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  "

والصنف الأخير يقول " أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ "

ولكي يحذر الله تعالى الكافر من هذه الذرائع التي يتعلل بإحداها أو بجميعها ، ولبيان أن حجج الكفار واهية وكاذبة وأنها في أصلها تجتمع على علة واحدة مشتركة بينها وهي تكذيب الرسل والاستكبار عن إتباعهم، جاء الرد من الله سبحانه وتعالى على أقوالهم جميعها  بقول واحد فاصل  "  بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ  "   .

                                        والله تعالى أعلم وأحكم

الجمعة، 20 أغسطس 2010

إعرف ذنوبك من عثراتك



مَنْ منّا أيها الأخوة لا يتعثر في حياته اليومية في أمر ما ، مَنْ منّا لا تتعثر سيارته أثناء ذهابه إلى مكان ما ، كثير من الناس تحدث معهم هذه الأمور ولكن من منّا عزا هذه العثرات إلى ذنوبه ...من منّا وقف مع نفسه عند عثراته وقال إن هذا الأمر حدث لي اليوم لأني فعلت كذا وقلت كذا .
تخيلوا –إخواني- لو كلٌ منّا عزا عثراته إلى المعاصي والذنوب التي يقوم بها مهما صغرت، لو كان الأمر كذلك لفررنا إلى الله سبحانه وتعالى طائعين منيبين توابين ولصلح حالنا واستقام أمرنا، ومن منّا لا يذنب حتى يكون في  مأمن من العثرات والمصائب ،عافانا وإياكم الله تعالى .
قال الله تعالى : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ).

وهنا أريد أن أقول  ، كثيراً ما نقرأ هذه الآيات من الذكر الحكيم ولكن قليلاً ما نقف عندها  مستحضرين لمعناها الصحيح :

(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ( 78 النساء) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ( 79 النساء))

يقول الإمام الشوكاني رحمه الله في معرض تفسيره لقوله (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) أي إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى وإن تصبهم بلية ونقمة نسبوها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فردّ الله تعالى ذلك عليهم بقوله (قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ) ليس كما تزعمون ، ثم نسبهم إلى الجهل وعدم الفهم فقال :( فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) أي ما بالهم هكذا ، وقوله :( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ)
هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضاً لأمته : أي ما أصابك من خصب ورخاء وصحة وسلامة فمن الله بفضله ورحمته ، وما أصابك من جهد وبلاء وشدة فمن نفسك بذنب أتيته فعوقبت عليه .

يقول الإمام بن القيم رحمه الله في كتابه شفاء العليل بخصوص قوله (قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ) ولم يقل : من الله لما جمع بين الحسنات والسيئات . والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه ، والسيئة إنما تضاف اليه قضاء وقدراً وخلقاً ، وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة .وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة ، بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف الى النفس (من جهة ) كونها سيئة .

ولرفع وهم من توهّم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلاً فقال : (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ) . ولم يقل من عندك ،لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها ، والجميع من عند الله  فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب ، والحسنة من الله بلا ريب ، وكلاهما من عنده سبحانه قضاءً وقدراً وخلقاً ففرّق بين ما من الله وبين ما من عنده . والشر لا يضاف الى الله إرادةً ولا محبةً ولا فعلاً ولا وصفاً ولا اسماً .

وخلاصة القول ، إذا كانت المصائب والعثرات تحلّ بالإنسان بسبب ذنب قد اقترفه أو إثم قد فعله فحريّ به أن يتعرف على ذنوبه لاجتنابها ما استطاع الى ذلك سبيلا.


ماهر قرواني
::

السبت، 10 يوليو 2010

وقل ربي زدني علما

جاء في الخبر أن موسى  عليه السلام ظن أنه أعلمُ أهل الأرض في زمانه فأراد ربُّنا تبارك وتعالى أن يعلمه أن العلم كله من الله سبحانه يهبه لمن يشاء من عباده .فأرسل الله تعالى موسى الى مجمع البحرين ليلتقي بالعبد الصالح الذي يفوقه علماً .

( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا*قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا *  قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) .

في هذه الآيات إشارة إلى أنَّ علمَ الإنسان محدودٌ ، وحتى الأنبياء وهم صفوة عباد الله قد لا يدركون على الفور حكمة الله عز وجل في تصريفه للأمور .
وهذا درس لنا جميعا بأننا يجب أن نسلم إلى علم الله عز وجل ، وأن نصبر على حكمته في تقدير الأمور وتدبيرها وأن لا نبدي أي اعتراض على حكمة الله سبحانه وتعالى التي لا يتأتى لنا دائما إدراكها .

(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)

نلاحظ في الآيات السابقة أن العبد الصالح نسبَ الإرادة في إحداث العيب أو الضرر في السفينة إلى نفسه مباشرة ، أما في المشهدين القرآنيين الآخرين نسبَ فعله مباشرة إلى إرادة الله سبحانه وتعالى. وهنا أود أن أشير إلى أن هذه الأفعال كلها قام بها العبد الصالح بأمر الله سبحانه.

أقول وبالله التوفيق أن المشهد الذي يتعلق بالسفينة ليس غيبياً بالنسبة لجميع الناس الذين عاشوا في تلك الحقبة فمن المؤكد أن بعض الناس علموا أن الملك يأخذ السفن عنوة ، وبالتالي فهذا العلم ليس غيبياً بحتاً(بالنسبة لموسى عليه السلام كان الأمر غيبيا) وهذا الفعل يتقبله البشر الذين عرفوا ما قام به الملك . بالإضافة إلى أن هذا الفعل قد تم انجاز الغاية منه بمجرد إحداث العيب فالملك من المؤكد لن يأخذ سفينة غير صالحة .

أما بالنسبة للمشهدين القرآنيين الآخرين فهما من الواضح أنهما غيبيان بالنسبة للبشر وبالتالي نسب القيام بهذين الأمرين مباشرة إلى عالم الغيب والشهادة .

ففي المشهد الثاني الهدف أو الغاية لم تتم بمجرد قتل الغلام إنما ستكتمل بأن يرزق الله سبحانه وتعالى هذين الوالدين مولوداً صالحاً طاهراً ، وهذا من اختصاص الله سبحانه وتعالى وليس للعبد الصالح ولا لغيره من البشر أيَّ دور في ذلك .
والمشهد الثالث كذلك لا تتم الغاية من الفعل بمجرد بناء الجدار فقد يخرب مرة أخرى أو يحدث أمر ما فيضيع الكنز فالعبد الصالح ولا أحد ٌ من البشر  يستطيع حفظ الكنز لليتيمين ، لكن الأمر بيد الله عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض الذي تعهد بحفظ الكنز حتى يبلغا أشدهما ، فأمره نافذ سبحانه وتعالى . هذا ما خطر في بالي البارحة والله أعلم .


                                                                                                                                               ماهر قرواني

الأربعاء، 23 يونيو 2010

دعاءُ صاحب الحوت

قال الله تبارك و تعالى في سورة الأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} (الأنبياء 87-88)

هذه الآيات تتحدث عن نبي الله يونس عليه السلام، وقصته معروفة وقد وردت في كتب التفسير بالتفصيل ولهذا لن أقف على تفسير هاتين الآيتين ، إنما أحببت أن أركز على دعاء سيدنا يونس عليه السلام " أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ " .

فِي هَذِهِ الْآيَة شَرَطَ اللَّه لِمَنْ دَعَاهُ أَنْ يُجِيبهُ كَمَا أَجَابَهُ وَيُنْجِيه كَمَا أَنْجَاهُ , وَهُوَ قَوْله : " وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ " وَلَيْسَ هَاهُنَا صَرِيح دُعَاء وَهُوَ وَإِنَّمَا هُوَ مَضْمُون قَوْله : " إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ " فَاعْتَرَفَ بِالظُّلْمِ فَكَانَ تَلْوِيحًا . (تفسير القرطبي)

نلاحظ هنا أن النبي يونس عليه السلام افتتح الدعاء بإقراره بالعبودية لله وحده لا شريك له ونزهه سبحانه وتعالى عن جميع النقائص فصفاته العلى مطلقة ، ثم ختم الدعاء بالاستغفار والإنابة إلى الله تعالى .

وفضل هذا الدعاء عجيب فقد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( دعوة ذِي النُّون ،إذ دعا وهو فِي بَطْن الْحُوت " أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ " إنه لَمْ يَدْعُ بِهِا مُسْلِم فِي شَيْء قَطُّ إِلَّا اُسْتُجِابَ الله له ) قال الترمذي حديث صحيح .(ابن القيم –الداء والدواء)

وفي صحيح الحاكم عن سعد أيضا أنه سمع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقَول (هل أدلكم على اسم الله الأعظم ؟ دعاء يونس . قال رجل : يا رسول الله ، هل كانت ليونس خاصة ؟ فقال : ألا تسمع قوله تعالى ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك أعطي أجر شهيد،وإن برئ برئ مغفوراً له ) .

السبت، 22 مايو 2010

قصور العقل


سألني أحد الزملاء يوما لماذا خلقني ربّي ثم كلّفني بالقيام بالعبادات فأن لم ألتزم عذبني ربي ؟!
يا أخي ، أنا لا أريد أن  أُخلَق من البداية لكي لا أخضع لهذا التكليف ، فابتسمت ابتسامة المستغرب من السؤال ثم أجبته على الفور ...أنت عبدٌ لله وليس لك الإرادة أن تختار أن يخلقك أو لا يخلقك  ،ثم قلت له ولله المثل الأعلى عندما يصنع المهندس جهاز التلفاز فهل يستطيع أن يرفض التلفاز القيام بالعمل الذي صنع من أجله ، طبعا لا يستطيع فلا يمتلك التلفاز إرادة الرفض  .
قد يقول قائل هناك فرق بين التلفاز والإنسان ، فأقول تعالى ربُّنا علواً كبيراً عن التمثيل والتشبيه بأي شيء ، ولكن الأمثال يؤتى بها لغةً لتوضيح  الغرض المراد بيانه .

أُنظر الى عظمة الله سبحانه وتعالى وبديع صنعه من أرض وسماوات وما فيها من مخلوقات عظيمة فيبدو الإنسان بالنسبة لها مخلوقاً صغيراً ، أو نقطة في هذا الكون الواسع تكاد أن تكون مجردة ، بل إن السماوات السبع بعظمتها -- كما تبدو لنا وكما وصفها المصطفى صلى الله عليه وسلم  في الحديث-- والأرضَ وما فيهن مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتعالى .

وهنا أود أن أقول أن كثيراً من المسلمين أو بعضهم لا يستحضرون عظمة الله سبحانه وتعالى  في حياتهم اليومية وتصرفاتهم وأقوالهم ، وبعضهم قد يقع في المحظور مثل زميلنا ، فإذا ما رأيت أمراً قد حدث ولم تعرف علته والحكمة منه فانسب ذلك إلى قصور علمك ، واحذر الاعتراض على حكمة الله عز وجل وعدم التسليم بها فقد تتلفظ بكلمة تهوي بك في جهنم سبعين خريفا كما جاء في الحديث ،ولذلك يجب علينا تعظيم الله سبحانه وتعالى حق تعظيمه والإيمان بأسمائه الحسنى وتقديس صفاته العلى  ، فاسمع قول الله تعالى :

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  (الزمر 67)

ونحن معشر المسلمين  نعلم أن الله سبحانه من صفاته أنه حكيم عليم لا يعبث ولهذا ينبغي علينا أن لا نعترض على القدر كما فعل

كبيرُ السفهاء إبليس في قوله (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)(الأعراف 12).
وهنا معنى قوله : إن تفضيلك الطين على النار ليس بحكمة .
انظر أخي المسلم الى أين آلَ بإبليس غرورُه  وتكبرُه وعصيانُه وعبارةُ الكفر هذه ، فاستحق لعنةَ اللهِ عليه وعذابه المهين . 

وخلاصة  القول أنه لا يجوز أن تصدر عنا عباراتٌ أو ألفاظ  فيها اعتراض على حكمة الله سبحانه ، فمن حكمة الله تعالى  أنهُ أنشأ الخلقَ، وخلق الأنس والجن ليعبدوه ثم يُهلكهم جميعاً و يُعيدُهم اليه ويوفيهم حسابهم،وحُقَّ له ذلك لأنه مالِك ،  فبفضله وحكمته وعدله سبحانه وعدَ بالإعاده والجزاء والبقاء الدائم في النعيم لمن أطاعه والعذاب المهين لمن عصاه وخالف أمره .


ماهر قرواني

الثلاثاء، 11 مايو 2010

عبث أم بعث

تذكرت حادثةً قبل ثلاثة عشر عاماً -وقد كنت في مكتبي- حينها ناقشت طالباً كان يومها يدَّعي الماركسية ، تلك الماركسية التي تحرره من قيود الدين والعادات والتقاليد السائدة في مجتمعنا الفلسطيني ولا تلزمه بأي التزام إلا إتباع الهوى فلا رقيب ولا عتيد .
قلت له حينها هل تظن أننا خُلقنا هكذا كما تظن ،أهلُ الشرِّ من اللصوص يسرقون أموال الناس وممتلكاتهم ،والقتلة يفتكون بضحاياهم كما يريدون وأهل الفاحشة يمارسون الخطيئة متى يشاؤون ، الأقوياء يبطشون بالضعفاء والأغنياء منهم يأكلون أموال الناس بالباطل وأصحاب النفوذ يستغلون شعوبهم وينهبون ثروات بلادهم ، أما أهل الخير والصلاح فيكبتون شهواتهم ورغباتهم ويدورون مع الحق حيث دار ،ويصبرون على أذى الآخرين ولسان حالهم يقول كما قال ربهم عنهم :
* وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا *
ثم ماذا ؟ الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ، فالجميع سيموتون ...سيموتون وتموت معهم أفعالهم كما تظنون !! بلا حساب ولا عقاب ولا ثواب . فابتسم الطالب ثم أردفت قائلاً إن كان هذا ظنكم فان هذا قمة العبث الذي لا يمكن أن يكون ، ولا يمكن أن يعقله عاقل .
فنظر إليَّ نظرة الحيران ولم ينبس ببنت شفه ولكنه ابتسم ابتسامة –هذه المرة- تنبع عن سفهٍ ولسان حاله يقول أنت لم تأتِ بشيء جديد ، وكما قال الدهريون قديما وحديثا :
( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )
( الجاثية - 24 ).
واليوم قرأت هذه الآية فتذكرت ذلك الحوار مع الطالب ،فقررت أن أكتبه في ظلال هذه الآيات الكريمة من كتاب الله المجيد :
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ)) المؤمنون:115-116
في هذه الآية يوبخ اللهُ تبارك وتعالى الكافرين لكفرهم بالبعث وبيوم القيامة ،ولظنّهم بأن الله -تعالى عن ذلك علواً كبيرا- خَلقَ البشر للإهمال كما خُلقت الحيوانات والبهائم ولا ثواب ولا عقاب وظننتم أيها الكفار أن لا نشور ولا رجوع ولا حساب بعد الممات . فتعالى الله سبحانه عن أن يكون قد خلق الخلق عبثاً ولعباً فهو الملك الحق (بأفعاله وأقواله) الذي يخضع لملكهِ المطلق كلُّ المخلوقات .
وفي قوله تعالى :
(أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ) (القيامة:36)
أيظن الإنسان أن الله عز وجل خلقه هملاً لا يُؤمر ولا يُنهى ولا يحاسب ولا يعاقب .
كلّا يا ربنا فقد خلقت الثقلين ولم تتركهما دون هداية فأرسلت لهم رسلك الكرام وأنزلت لكل منهم شرعة ومنهاجا لكي يسير عليها أقوامُهم ولا يضلوا الطريق ،ثم ختمتَ الدين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فنسألك يا ربنا الثبات على الحق .

ماهر قرواني

الخميس، 6 مايو 2010

لا رهبانية في الإسلام

الرهبانية هي غلو في تحمل التعبد بسبب شدة الرهب ، وهي طريقة في العبادة لدى النصارى ، فهل لها أصلٌ في دين الله عز وجل ؟


يقول الله تبارك وتعالى في سورة الحديد :


* ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ *


وقد إختلف بعض المفسرين في تفسير قول الله تبارك وتعالى : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)


لكن من الواضح – والله أعلم – أن معنى هذه الآية هو أن الرهبانية لم تفرض على النصارى من الله سبحانه وتعالى ولكن هم إبتدعوها من عند أنفسهم ( ما كتبناها ) أي : ما فرضنا تلك الرهبانية عليهم من ترك التلذذ بالأطعمة وترك تزوج النساء والاعتزال عن الناس ، والتوطن في كهوف الجبال ، وقوله تعالى : (إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ ) استثناء منقطع أي : ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله –وقوله سبحانه ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) ولكنهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وضلوا وبدَّلوا وانحرفوا عن دين الله الذي جاء به عيسى عليه السلام فلم يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما أمرهم الله عز وجل في الإنجيل .


والحديث مفسر للقرآن ، والحديث التالي يؤكد هذا التفسير ،فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن الرهبانية فقال : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : ( لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.


وقال في حديث آخر : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني .




ماهر قرواني

السبت، 1 مايو 2010

القفز على الزمن

من المعروف أن القرآن الكريم لسان عربي مبين وقد تحدى الله عز وجل قريش خاصة لفصاحة لسانها والثقلين عامة ولو اجتمعا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن العظيم ، فالمعجزة اللُغوية لهذا القرآن العظيم واضحة وقد عجزت قريش عن التشكيك بهذا القرآن فذهبت إلى محاولة صرف الناس عن إتباعه بنشر الشائعات عن المصطفى صلى الله عليه وسلم مثل (السحر والمس والكذب وغيرها من الافتراءات التي لم تنَلْ من سمعة محمد صلى الله عليه وسلم ) كما هو حال المجرمين مع رسل الله عز وجل .


واليوم سنقف قليلاً مع ظاهرة بلاغية تدعى القطع (القفز على الزمن) التي تظهر بشكل متكرر في السرد القصصي القرآني وهذه من الصور البلاغية التي تحقق الفائدة المرجوَّة ،ومن الأمثلة على ذلك ،


قول الله تعالى :


* فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * (الشعراء 16-19 )


نلاحظ كيف تم قطع الزمن في هذه الآيات عندما انتقل من خطاب الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام فوراً ا لى مشهد " جواب فرعون لسيدنا موسى عليه السلام " للتركيز على أهميته .


وقوله تبارك وتعالى * وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ* وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ* قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ* قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ* إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * (يس 20-29)


فهذه صورة أخرى من صور القفز عن الزمن في القرآن الكريم ، ففي هذه الآية ذكر ربنا تبارك وتعالى القرية أولاً لبيان حال أهلها الذين كفروا بالله وكذبوا الرسلَ الثلاثة ،أما الرجل المؤمن فقد قدم مسرعاً لنصرة دين الله عز وجل ، وأخذ يُقَدِّمْ مناصحته لنفسه وهو يقصد قومَه فبدأ ببيان الحجج لإقناعهم بترك عبادة الأوثان ، والإيمان بالله ثم بعد أن رأى منهم الإصرار على موقفهم أعلن إيمانه على الملأ برسالة التوحيد مظهراً التحدي لقومه .


ففي النص القرآني (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) تم قطع المشهد الذي فيه أقدم القوم على قتل الرجل المؤمن (وهذا حال المؤمنين مع المجرمين على مرِ الزمان ، فعندما يستنفذ الكفرة جميع الوسائل لردع المؤمنين وصدهم عن دين الله عز وجل يقدموا على قتالهم ).


وقطع هذا المشهد فيه ايجاز حذف ، الفائدة منه بيان عظم الأجر والثواب الذي ناله هذا المؤمن جزاءَ شهادته في سبيل نصرة دين الله تبارك وتعالى ،وهو الجنة التي وُعِد بها المتقون .


ثم أنظر إلى رحمة المؤمن ورأفته بقومه(قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) فهو يتمنى أن يعلم قومُه ما ناله من المغفرة والتكريم بعد قتله(وقد قال بهذا بعض المفسرين) فقد يكون عِلمُهم بهذا الجزاء دافعا لهم إلى الإيمان بالله عز وجل ، ولكن هيهات هيهات ، فأنى لهم ذلك وقد صَمُّوا آذانهم وعميت قلوبهم عما جاءهم من الحق فكان جزاؤهم صيحةً واحدةً أبادتهم عن بِكرةِ أبيهم . 

ماهر قرواني

الاثنين، 26 أبريل 2010

عصا موسى

كثيراً ما نسمع على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي مقولة أني " لن آلو جهداً لحل المشاكل ولكن ليس معي عصا سحرية " وكأن في العبارة إشارة إلى عصا سيدنا موسى عليه السلام .


فهل كان أمر العصا كذلك ؟ بالطبع لا، فالعصا ليست سحرية لأن السحر كفر وافتراء على الله ،إسمع قول الله سبحانه وتعالى على لسان موسى عليه السلام للسحرة :(قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ) - (طه 61)


ولو كانت العصا سحرية فلماذا آمن السحرة على الفور ؟ الشيء المؤكد أن الأمر ليس كذلك فالسحر صناعتهم ،ولكن الأمر أعظم من ذلك فانظر الى قول الله تبارك وتعالى لموسى عليه السلام :( وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى )-(طه69)


وبالمقابل ياتي الجواب من السحرة ، في قوله تعالى :


(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)- (طه70)


"فألقي السحرة سجدا" لما رأوا من العصا الأمر العظيم فوق العادي ، الخارق لما اعتادوه من قوانينهم؛ ففهموا أن العصا ليست سحرية فهي ابتلعت على وجه الحقيقة لا الخيال جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي .


وقد أكد الله سبحانه وتعالى هذه الخاصية للعصا الخارقة للعادة في موضع آخر في كتابه المجيد حين قال : وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لّا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى *(طه77).


وبعد أن تبع فرعون وجنوده موسى وقومه على الطريق الذي انشق بالعصا أراد سيدنا موسى بطبيعته البشرية ( أنت اذا فتحت طريقا تستطيع أن تغلقه وإذا كسرت شيئا تظن أنك تستطيع اصلاحه بلصقه وهكذا ....) أن يضرب البحر بالعصا ليطبقه ويغرق فرعون وجنوده وينجو هو وقومه ، لكن الله تبارك وتعالى الحكيم العليم أراد الأمر بشكل آخر فيقول لموسى عليه السلام : (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) (الدخان24).


فأقول وبالله التوفيق كأن ربنا تبارك وتعالى يريد أن يبين لقوم موسى عليه السلام أن العصا ليست سحرية لكي لا يفتنوا بها ، فالسر لا يكمن في العصا بل في قوة ربِ حاملِ العصا ، يقول الله عز وجل في سورة البقرة :(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)- (البقرة 165)

ماهر قرواني

الأربعاء، 21 أبريل 2010

معية الله في الآيتين


مَعِيَّةُ الله في الآيتين



في قوله تعالى : ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61 ) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)) (الشعراء)


وقوله سبحانه : ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ) (40 التوبة )


قرأت موضوعاً لأحد الأخوة على الشبكة العالمية تناول هذا الموضوع فجال في خاطري أنه لم يوضح المشهدين كما يجب ، فارتأيت أن أتناول هذا الموضوع من وجهة نظري مستعينا بكتاب الجامع لأسماء الله الحسنى للأمامين بن القيم والقرطبي وكذلك كتاب التفسير فتح القدير للشوكاني فأقول وبالله التوفيق : إن قول أصحاب نبي الله موسى عليه السلام :(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ، كأنهم أرادوا أن يقولوا له قدتنا الى الهلاك الحتمي بإخراجك إيانا من مصر ، فجاء الزجر والردع لهم بأداة الزجركلا ففي قوله سبحانه على لسان موسى عليه السلام (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) سيدنا موسى عليه السلام أراد أن يذكرهم أنه يخرجهم من مصر ويقودهم الى الأرض المقدسة ليس بأمره بل بأمر من الرب تبارك وتعالى فاستخدم اسم الله عز وجل " الرب " الذي يعني المالك المتصرف في ملكه والسيد المطاع والمربي الذي يسوس مربوبه كيفما وكما شاء ، وحسب فهمي للموقف ولأن الترائي قد حصل (بخلاف المشهد في غار ثور) أي أن موسى عليه السلام وقومه قد رأوا جيوش فرعون المهولة وبالمقابل فأن فرعون وجنوده قد رأوا موسى وقومه فعلم يقيناً النبي موسى أن النصر من الله تعالى قد حان أوانه فساعة الحسم قد دقت ، وأن الله تبارك وتعالى سيرشده ويهديه الى طريق النجاة وقد كان كذلك .


أما قوله تعالى على لسان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (إن الله معنا) يعني أن الله سبحانه وتعالى معه وصاحبه بسمعه وبصره وقدرته وعونه وتأييده ، فلفظ الجلالة " الله " تضاف اليه الأسماء الحسنى
فنقول أن الرحيم والعزيز والقدير والعليم والغفار والقهار والباسط والقابض من أسماء الله ، ولا يقال الله من أسماء الرحمن، قال الله تعالى (وَلله الأَسْمَاء الْحُسْنَى ) (الاعراف180)


وهنا أتفق مع الأخ الذي ذكرت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد بـ (إن الله معنا) أن يطمئن أبا بكر رضي الله عنه لأن أبا بكر كان ايمانه بالله عميقاً ويعرف الله تعالى (الذي تضاف إليه كل الأسماء الحسنى) حق المعرفة ولكن هنا أود أن أشير الى حقيقة أن أبا بكر كان يطمع أن يكون صاحبا للرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة ،فلا يمكن أن يستقيم المعنى أن يعترض أبو بكر على الرسول ويلومه لاصطحابه كما فعل أصحاب موسى عليه السلام ،وهذا أيضا وجه اختلاف بين المشهدين .
وهنا علينا أن ننتبه أنه لا يجوز أن ننتقص من قدر أصحاب موسى عليه السلام  كما فعل ألأخ المذكور، ففي الحديث أن كل نبي له حواريون أو أصحاب ساروا على دربه ، وموسى عليه السلام ليس استثناءً، فثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.


اذن لا يجوز الإنتقاص من أصحاب موسى عليه السلام. فالذي نعرفه أن كفة إيمان أبي بكر ترجح كفة إيمان الأمة ولكن هل هذا ينقص من قدر إيمان عمر  أو علي أو عثمان رضي الله عنهم جميعاً ؟ لا  قطعا ً.

ماهر قرواني 

الاثنين، 19 أبريل 2010

لماذا نأكل الطعام



يحتاج الإنسان إلى تناول الطعام لأداء وظيفتين مختلفتين هما:
الوظيفة الأولى : هي إمداد الجسم بالمواد التي يتم بواسطتها بناء مختلف أجزاء الجسم أو إصلاح ما يبلى منها، وأهم الأطعمة التي على الإنسان أن يتناولها حتى يتحقق هذا الهدف هي المواد التي تحوي على البروتينات.
الوظيفة الثانية : هي لإمداد الجسم بالطاقة ، إذ أن معظم الطعام الذي يستعمل كوقود، يتم حرقه في الأنسجة، وتمد هذه العملية عضلاتنا بالطاقة، فالجسم في حاجة إلى الطاقة ليقوم بجميع وظائفه.
والمصدر الرئيسي لهذا الوقود اللازم لأجسادنا هو المواد الكربوهيدراتية, والدهون في طعامنا. وخلاصة القول أن الإنسان لا يستطيع الحياة بدون الطعام وإذا لم يداوم عليه يموت ، وهذا من الحاجات العضوية التي لا يتصور أن يحيا الإنسان بدونها .


وهنا نودُ أن نقول أن من أسماء الله الحسنى البديع ، فقد أبدع سبحانه في صنع الكون والإنسان وأبدع ربنا تبارك وتعالى في إثبات بشرية عيسى عليه السلام حين قال في كتابه العزيز :
( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُون) - (آية 75 من سورة المائدة)


بدأ الله عز وجل هذه الآية بتقرير حقيقة أن المسيح عليه السلام رسول كباقي الرسل جاء بأمور خارقة للعادة بأذن الله  ، فزعم النصارى من بعده أنه اله وأخذوا يدللون على ذلك بمعجزات مثل إحياء الموتى ومعالجة المرضى وغيرها من المعجزات التي منحها له الله عز وجل لتأييد نبوته ولكن لم يزعم النصارى مثلاً بإلوهية موسى عليه السلام على الرغم من أنه كان مؤيداً من الله عز وجل بآيات عظام ، أو سيدنا سليمان عليه السلام الذي كان مسخراً له الطير والريح والجن .
 ثم أتبع ذلك بالإشارة الى أم المسيح مريم عليهما السلام بقوله تعالى (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) أي أنها كانت امرأة تقية صالحة  قانتة لربها ومصدقة بآيات ربها،ثم قال سبحانه


(كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ) فما المقصود بذلك ؟
نفهم من هذه الآية أن من يأكل الطعام لبناء خلايا جسمه ولإصلاح ما يتلف منها هالك لا محالة بعد مدة من الزمن . كما أننا نستطيع أن نستنتج من هذه الآية الكريمة أن الذي يحتاج الى الطعام للقيام بوظائفه الحيوية والفيزيائية كائن محتاج ضعيف ولا يمكن أن يكون الهاً .
فقوله سبحانه وتعالى (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ) انما هو تقرير وتأكيد للحقيقة السابقة أن عيسى عليه السلام إنسانٌ .

ثم يقول ربنا تبارك وتعالى  (انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُون)  أي كيف يبين لهم الأدلة على بشرية المسيح عليه السلام وكما يقول الشوكاني رحمه الله " فيه تعجيب من حال النصارى الذين يجعلون تلك الاوصاف مستلزمة للإلوهية ويغفلون عن كونها موجودة في من لا يقولون بأنه اله " ثم كرر (أنظر) لشدة التعجب من حال هؤلاء لإنصرافهم وبعدهم عن الحق بعد ما تبين لهم من الأدلة .




ماهر قرواني



الجمعة، 16 أبريل 2010

ضرب الأمثال في القرآن


استخدم الله تبارك وتعالى ضرب الأمثال في كتابه المجيد في كثير من الايات ، فالأمثال القرآنية جاءت لتقريب المعاني للعقول وتوضيحها ليزداد الناس فهما وعبرة ، وللأمثال القرآنية أهداف بليغة متنوعة فتارة للترغيب في شيء ما وتارة للتقريع والتخويف من فعل آخر .
والان نحن بصدد مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لنصارى نجران حين قدموا الى المصطفى صلى الله عليه وسلم يسألونه عن قوله في المسيح عليه السلام وهذا المثل سيبقى خالداً وناقوسا يدق في أذن من لا يريد أن يقتنع في كيفية خلق المسيح عليه السلام كبشر ،ولنفي صفة الالوهية عنه عليه السلام ففي سورة عمران يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾-( آل عمران: 59)


يقول الشوكاني رحمه الله في كتابه " فتح القدير " في معرض تفسيره لهذه الاية :
شبه عيسى بآدم في كونه مخلوقا من غير أب كآدم ، ولا يقدح في التشبيه اشتمال المشبه به ( آدم ) على زيادة وهو كونه لا أمَ له ولا أب ، وإن كان المشبه به أشد غرابة من المشبه(عيسى) وأعظم عجبا وأغرب أسلوبا .
وقوله تعالى (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ) جملة مفسرة لما أبهم في المثل: أي أن آدم لم يكن له أب ولا أم بل خلقه الله تعالى من تراب ، وفي ذلك دفع لأنكار من أنكر خلق عيسى دون أب مع أعترافه بخلق آدم من غير أب ولا أم . ثم قوله (ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي كن بشرا فكان بشرا . (انتهى كلام الشوكاني)


وهنا أود أن أقول أنه ذكر التراب (حسب فهمي) ولم يذكر الصلصال أو الطين لأن التراب أصل خلق الانسان فأذا كان آدم عليه السلام خلق مباشرة من التراب فأن عيسى عليه السلام يشترك معه في أصل الخلق وهو التراب وذلك ينفي الالوهية عن المسيح لكونه يشترك مع آدم في كونه مخلوقا من تراب، والله أعلم وأحكم .





 
Arabization 3alymni-b