‏إظهار الرسائل ذات التسميات زاوية أدبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات زاوية أدبية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 22 مايو 2011

لو كنتُ عصفوراً


لـَـوْ كُنْتُ عُصفوراً
في صَباحٍ خَريفيٍّ باكرٍ،جَلـَـسَ مُحَمَّدٌ عَلى الحَصيرةِ في غُرْفَـتِهِ وَأخَذَ يُفَكِّرُ في صَمْتٍ،اليَوْمُ هُوَ أوَّلُ أيَّامِ السَّنةِ الدِّراسِيَّةِ في المُخَيَّمِ،وَسَوْفَ يَدْخُلُ الصَّفَّ الخامِسَ،سَيَتَعَلـَّـم أشْياءَ جَديدةً،وَرُبَّما يَحْصُلُ عَلى كُتُبٍ جَديدَةٍ.وَمُحَمَّدٌ يَهْوى الكُتُبَ لكِنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الحُصولِ عَلَيْها إلا في أوْقاتٍ نادِرَةٍ..أحْياناً كانَ يَسْتَعيرُ كُتُباً مِنْ أساتِذَتِهِ أوْ مِنْ شَيْخِ المَسْجِدِ، ذاتَ مَرَّةٍ أحْضَرَ لَهُ والِدُهُ كِتاباً مِنْ مَكْتَبَةِ المَدينَةِ وَكانَ أجْمَلَ الكُتُبِ الَّتي قَرَأها عَلى الإطْلاقِ،لكِنَّهُ تَذَكَّرَ أيْضاً أنَّ ذلِكَ الكِتابَ كَلَّفَ والِدَهُ الكَثيرَ؛حَيْثُ اضْطُرَّ والِدُهُ لِلْعَمَلِ أسبوعاً كامِلاً فِي تَنْظيفِ المَكْتَبَةِ مُقابِلَ أنْ يَحْصُلَ عَلى ذلِكَ الكِتابِ،وَكانَ هذا يُؤْلِمُ مُحَمَّداً كَثيراً.
كانَتْ عائِلَةُ مُحَمَّدٍ فقيرةً جِدَّاً شَأنَ مُعْظَمِ العائِلاتِ اللاجِئَةِ في المُخَيِّمِ.لذلِكَ قَرَّرَ مُحَمَّدٌ مُنْذُ الصِّغَرِ أنْ يَجْتَهِدَ في دُروسِهِ،فَقَدْ أخْبَرَهُ والِدُهُ ذاتَ يَوْمٍ أنَّ بِالعِلْمِ فَقَطْ يَسْتَطيعُ الإنْسانُ التَّغَلُّبَ عَلى الفقرِ.كانَ والِدُهُ حَريصاً جِدَّاًعَلى تَعْليمِهِ،وَكانَ يَعْمَلُ طَوالَ النَّهارِ أعْمالاً شاقَّةً وقاسِيَةً،فَيَخْرُجُ السّاعَةَ السّادِسَةَ صَباحاً،وَيَتَوَجَّهُ إلى المَدينةِ لِيُنَظِّفَ أحْذِيَةَ المارَّةِ وَيَجْمَعُ نُفاياتِ الشُّقَقِ مُقابِلَ أجْرٍ زَهيدٍ،وَكانَ يَمْضي الليْلَ في حِراسَةِ وَتَنْظيفِ المَصانِع والمَدارِسِ،وَكُلُّ ذلك لِيُوَفِّرَ المَبْلَغَ اللازِمَ لِتَعْليمِ مُحَمَّدٍ،وذلِكَ يُحْزِنُ محمداً،لكِنَّهُ أيْضاً يَدْفَعُهُ إلى الإجْتِهادِ وَالعَمَلِ.كانَ والِدُهُ يَقولُ لَهُ "رُبَّما تَسْتَطيعُ يَوْماً ما أنْ تَلْبِسَ بَذْلَةً سَوْداء وتَحْمِلَ حَقيبةً وَتَكونَ مُهَنْدِساً أوْ مُحامِياً أوْ طَبيباً،عِنْدَها أسْتَطيعُ أنْ أرْفَعَ رأسي وأفْخَرَ بِكَ، لكِنِّي أخافُ أنْ تَخْجَل أنْتَ مِنِّي لأنِّي أمْسَحُ أحْذِيَةَ المارَّةِ وَأعْمَلُ حارِساً،لا تَخْجَلْ مِنْ أهْلِكَ يا بُنَيَّ،لا تَنْسَ أهْلَكَ يا وَلَدي"،فَيَصيحُ مُحَمَّدٌ"لا تَقُلْ هذا،هذا لَنْ يكون".
هُناكَ شَبابٌ غادروا المُخَيَّمَ وَلَمْ يَعودوا،تَركوا أهْلَهُمْ وَسافَروا بَعيداً،كان مُحَمَّدٌ يَتضايَقُ عِنْدَما يَتَحَدَّثُ أبوهُ عَنْهُمْ، وَكانَ يَكْرَهُهُمْ،إنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ أنَّ هُناكَ أحَدٌ يَسْتَطيعُ أنْ يَتْرُكَ أهْلَهُ..وَهُوَ مُنْذُ أنْ كانَ صَغيراً وَأبوهُ يُعَلـِّـمُهُ أنْ" لا تَعُضَّ اليَدَ الَّتي أطْعَمَتْك" فَكَيْفَ إذا كانَتْ هذِهِ اليَدُ أيْضاً هِيَ يَدُ الحَنانِ والعَطْفِ وَالحُبِّ وَيَدُ أمِّهِ عائِشة أوْ يَدُ أبيهِ عَبْدِ الرحمن؟.
في هذِهِ اللحَظاتِ قَطَعَ تَفْكيرَهُ صَوْتُ أمِّهِ:"مُحَمَّدٌ،إنَّها السّاعَةُ السّابِعَةُ،تعالَ وافْطِرْ".تَناوَلَ مُحَمَّدٌ حَقيبَتَهُ وَنَظَرَ إلى أخْتِهِ الصَّغيرَةِ النَّائِمَةِ وَفَكَّرَ في نَفْسِهِ"لا شَكَّ أنَّها تَحْلُمُ حُلْماً جَميلاً".خَرَجَ مُحَمَّدٌ مِنَ الغُرْفَةِ وَقالَ لأمِّهِ:"لا أريدُ أنْ أفْطِرَ"، فَسَألَتْهُ إنْ كان يُريدُها أنْ تَصْنَعَ لَهُ فَطيرَةً لكِنَّهُ هَزَّ رَأسَهُ رافِضاً،ثـُمَّ قَبَّلَ يَدَها وَخَرَجَ.
في المُخَيَّمِ طَريقٌ ضَيِّقٌ امْتَلأ بالأطْفالِ الذينَ تَبْدوعَلى وُجوهِهِمُ البَهْجَةُ،كانَ الأطْفالُ يَقِفونَ تارَّةً،وَيَرْكُضونَ تارَّةً أخْرى،كانوا جَميعُهُمْ أصْدِقاءً،لكنَّ مُحَمَّداً لا صَديقَ لَه.ُ.في الواقِعِ قَبْلَ سَنَتَيْنِ كانَ لَهُ صَديقٌ يُحِبُّهُ كَثيراً اسْمُهُ ابْراهيم،أصابَهُ مَرَضٌ شَديدٌ وَلَمْ يَسْتَطِعْ والِدُ ابْراهيمَ تَوفيرَ الدَّواءَ اللازِمَ،إنَّ مَرَضَ ابْراهيم لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلاجٌ داخِلَ المُخَيَّمِ،وَما خارِجَ المُخَيَّمِ تَعْجَزُ اليَدُ الفَقيرَةُ عَنْ الوصولِ إليْهِ.لا يَزالُ مُحَمَّدٌ يَتَذَكَّرُ ابْراهيمَ الصَّغيرَ جَيِّداً،كانَ لإبْراهيمَ حُلْمٌ وَحيدٌ هُوَ أنْ يَعودَ إلى عَكَّا،أمَّا مُحَمَّدٌ فَحُلْمُهُ أنْ يَعودَ إلى صَفَد،وَكَمْ كانا يَبْكِيانِ لأنَّ صَفَد تَبْعُدُ عَنْ عَكَّا،وَتواعدا ذاتَ يَوْمٍ-إن عادا للوطن-أنْ يَزورا بَعْضَهُما في الأعْيادِ وَالمواسِمِ.لَمْ يَعِشْ ابْراهيمُ لِيُحَقِّقَ حُلْمَهُ،لكنَّ مُحَمَّداً قَطَعَ عَلى نَفْسِهِ عَهْداً،أنَّهُ إذا عادَ لِفِلَسْطينَ سَيَزورُعَكَّا حَتْماً.
لَمْ يَسْتَطِعْ مُحَمَّدٌ بَعْدَها أنْ يَجِدَ صَديقاً مِثْلَ ابْراهيم،وَاكْتَفى بِمُصاحَبَةِ الكُتُبِ وَالعصافيرِ وَالحَمامِ.وَمَع هذا كانَ مُحَمَّدٌ يُحِبُّ أطْفالَ المُخَيَّمِ كَثيراً وَيُساعِدُهُمْ في المُذاكَرَةِ،وَكانَ مُسْتَعِدّاً أيْضاً لأنْ يُعيرَهُمْ كِتابَهُ الوَحيدَ لَوْ أنَّهُمْ طَلَبوا مِنْهُ ذلِكَ.إنَّ ما يَجْمَعُهُ بِهِمْ كَبيرٌ جَدّاً،فَهُمْ فِلِسْطينيّونَ مِثْلَهُ،بَلْ إنَّهُ لا يَعْرِفُ فِلَسْطينيِّينَ غَيْرَهُمْ،هُمْ أهْلُهُ وَجيرانُهُ،وَرَغْمَ اخْتلافاتِهِمُ الصَّغيرَةِ فَإنَّ حُلْمَهُمُ الكَبيرَبِأنْ يَعودوا لِلوَطَنِ يَجْمَعُهُمْ،وَهذا الحُلْمُ في الحَقيقَةِ لَنْ يَتَحَقَّقَ إلا إذا اجْتَمَعوا مَعاً عَلى تَحْقيقِهِ.
عِنْدَما وَصَلَ مُحَمَّدٌ مَدْرَسَتَهُ،جَلَسَ عَلى حَجَرٍفي السّاحَةِ،مُنْتَظِراً أنْ يَدُقَّ الجَرَسُ،وَما يَحْدُثُ بَعْدَ أنْ يَرُنَّ الجَرَسُ فَهُوَ مَشْهَدٌ يَتَكَرَّرُ في بِدايَةِ كُلِّ سَنَةٍ دِراسِيَّةٍ:أولاً يَصْطَفُّ الطُّلابُ وَيَقْرأونَ الفاتِحَةَ وَيُنْشِدونَ النَّشيدَ الوَطَنِيَّ،يَتْلو المُديرُ تَعْليماتِهِ وَتَحْذيراتِهِ،ثُمَّ يُقَسِّمُ المُعَلِّمونَ الطُّلابَ وَبَعْدَها يَدْخُلُ الطُّلابُ صُفوفَهُم.
اخْتارَ مُحَمَّدٌ الجُلوسَ في مَقْعَدٍ أخيرٍ قُرْبَ النّافِذَةِ،كانَ باستِطاعَتِهِ أنْ يَرى مِنْ خِلالِها المُخَيَّمَ وَالنّاسَ وَالعَصافيرَ في السّماءِ،لَكَمْ تَمَنّى أنْ يَكونَ مِثْلَ هذه العصافيرِ حُرّاً طَليقاً.
كانَ اليَوْمُ الدِّراسِيُّ عادِياً جِدّاً بالنّسْبَةِ لِمُحَمَّدٍ،باسْتِثْناءِ حِصَّةٍ واحِدَةٍ،هِيَ حِصَّةُ الجَغْرافيا،وهذه هِيَ السّنَةُ الأولى التي سَيَدْرُسونَ فيها الجَغرافيا.الطُّلابُ الأكْبَرُ سِنّاً يَقولونَ إنَّ أسْتاذَ الجَغرافيا لَيْسَ مِنْ أبْناءِ المُخَيَّمِ وَيأتي كُلَّ يَوْمٍ مِنَ المَدينَةِ،وَهُوَقاسٍ جِدّاً..َلا يُحِبُّ الأطْفالَ أبَداً ويَغْضَبُ لأتْفَهِ الأسْبابِ.وَعِنْدَما دَخَلَ أسْتاذُ الجَغرافيا الصَّفَّ الخامِسَ،لَمْ يَبْتَسِمْ وَلَمْ يَقُلْ سِوى بِضْعِ كَلِماتٍ يَشْرَحُ فيها اسْلوبَهُ التَّدْريسيَّ وَيُخَوِّفُ طُلابَهُ..لَمْ يَسْمَعْ مُحَمَّدٌ ما قالَهُ اسْتاذُهُ تَماماً لأنَّهُ كانَ سارِحاً بِنَظَرِهِ خارِجَ النّافِذَةِ؛كانَ يَنْظُرُ للعصافيرِ،وَيَتَخَيَّلُ أنَّهُ عُصْفورٌ يَطيرُ مَعَهُمْ بَعيداً عَنِ الفَقْرِ وَالحُزْنِ،وَقريباً مِنْ فِلَسْطينَ.تَخَيَّلَ مُحَمَّدٌ نَفْسَهُ وَهُوَ يَطيرُ فَوْقَ فِلَسْطينَ،وَيَمُرُّ مِنْ وِدْيانِها وَيَحُطُّ عَلى أشْجارِها،"لا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ ثَمَّةَ شَيْءٍ في الدُّنْيا يَسْتَطيعُ أنْ يَمْنَعَ العصافيرَ مِنْ أنْ تُحَلِّقَ في فِلَسْطينَ.."لَوْ كُنْتُ عُصْفوراً لَما مَنَعَني شَيْءٌ مِنْ زِيارَةِ صَفَد وَعَكّا" فَكَّرَ مُحَمَّدٌ.
كانَ مُحَمَّدٌ يَتَخَيَّلُ،وَلَمْ يُلاحِظْ أنَّ أسْتاذَ الجَغرافيا قَدْ بَدَأ شَرْحَ دَرْسٍ جَديدٍ.أمّا الأسْتاذُ فَقَدْ لاحَظَ أنَّ مُحَمَّداً لَمْ يَكُنْ مُنْتَبِهاً وَأنَّهُ كانَ يَنْظُرُ عَبْرَ النّافِذَةِ،فَصاحَ قائِلاً:"يا فَتى،أنْتَ الذي تَنْظُرُ عَبْرَ النّافِذَةِ،قِفْ".
أفاقَ مُحَمَّدٌ مِنْ حُلْمِهِ مَذْهولاً وَنَظَرَ تِجاهَ اللوْحِ،فَقالَ الأسْتاذ:نَعَمْ،أنْتَ قِفْ وَقُلْ لي ما اسْمُكَ؟،فَوَقَفَ مُحَمَّدٌ عَلى الفوْرِ وَقال:"اسْمي مُحَمَّدٌ".
-الأسْتاذُ:"أيْنَ كُنْتَ يا محمد؟"
لَمْ يُجِبْ مُحَمَّدٌ وَطَأطَأ رَأسَهُ،سَيَضْحَكُ أسْتاذُهُ وَالأطْفالُ الآخَرونَ إنْ قالَ لَهُمْ أنَّهُ وَصَلَ لِصَفَد،سَيَضْحَكونَ إذا عَلِموا أنَّه تَخَيَّلَ نَفْسَهُ عُصْفوراً حُرّاً،إنَّهُمْ رُبَّما لَنْ يَسْتَطيعوا أنْ يَفْهَموا مَعْنى أنْ تَكونَ حُرّاً كالعُصْفورِ.
كانَ أسْتاذُهُ غاضِباً،وَمُحَمَّدٌ رَأى ذلِكَ في عَيْنيْهِ وَانْتَظَرَ أنْ يوقِعَ أسْتاذُهُ بِهِ عُقوبَةً..وقرر أنه سيتحمل نتيجة أفعاله بشجاعة.لكِنَّ أسْتاذُهُ لَمْ يَشَأ أنْ يُعاقِبَهُ،وَقال:"إنَّها بدايةُ سَنَةٍ دِراسِيَّةٍ جَديدَةٍ،لَنْ أعاقِبَكَ اليَوْمَ،مَعَ أنَّني عادةً أعاقِبُ طُلابي بِشِدَّةٍ.لكِنْ سَأطْلُبُ مِنْكَ في المُقابِلِ أنْ تَقومَ بِشَيْءٍ ما..مِنْ أيْنَ أنْتَ يا مُحَمَّدٌ؟"،أجابَهُ مُحَمَّدٌ:"أنا مِنْ صَفَد"،هَزَّ الأسْتاذُ رَأسَهُ،ثُمَّ عَلَّقَ عَلى الحائِطِ لَوْحَةً كَبيرَةً مَكتوبٌ عَليْها"خارِطَةُ فِلَسْطينَ التّاريخِيَّةِ".نَظَرَ إليْها الطُّلابُ بِدَهْشَةٍ،لَمْ يَرَ أحَدٌ مِنْهُمُ خارِطَةَ فِلَسْطينَ مِنْ قَبْلٍ،بَلْ إنَّهُمُ حَتّى لا يَعْرِفونَ مَعْنى خارِطة!.أمَّا الأسْتاذُ فخاطَبَ مُحَمَّداً قائِلاً:"هذِهِ خارِطَةُ فِلَسْطينَ يا مُحَمَّدٌ،وَلأنَّني لَنْ أعاقِبَكَ اليَوْمَ سَتَأتي وَتُرِيَني أيْنَ تَقَعُ صَفَدُ عَلى خارِطَةِ فِلَسْطينَ،هَيََّا تَعالَ وَأرِنا يا مُحَمَّدٌ".
كانَتْ هذِهِ المَرَّةَ الأولى التي يَرى فيها مُحَمَّدٌ خارِطَةَ فِلَسْطينَ،وَهُوَ لا يَعْرِفُ أيْنَ تَقَعُ صَفَدُ عَلى الخارِطَةِ!،شَعَرَ بِالألَمِ وَالخَجَلِ،إنَّهُ لا يَعْرِفُ أيْنَ صَفَدُ عَلى الخارِطَةِ،إنَّها مَوْجودَةٌ بِالتّأكيدِ لكِنَّه لا يَعْرِفُ أيْن..أيْن؟.
بَعْدَ لَحَظاتِ صَمْتٍ سادَتْ في الصَّفِّ،قالَ الأسْتاذُ:"إذنْ مُحَمَّدٌ لا يَعْرِفُ أيْنَ تَقَعُ صَفَدٌ،لا يَعْرِفُ أيْنَ وَطَنُهُ،أليْسَ مِنَ العَيْبِ ألا يَعْرِفُ أحَدُهُمْ أيْنَ وَطَنُهُ؟.اجْلِسْ يا مُحَمَّدٌ،اعْتَقِدُ أنَّكَ لَنْ تَسْرَحَ في النّافِذَةِ مُطْلَقاً بَعْدَ اليَوْمِ،وَفي الغَدِ سَأسْألُكَ السُؤالَ نَفْسَهُ،تَذَكَّرْ ذلِكَ".
كانَ هذا المَوْقِفُ بِالذّاتِ عُقوبَةً بِالنِّسْبَةِ لِمُحَمَّدٍ،بَلْ إنَّه أقْسى العُقوباتِ بِحَقٍ..جَميعُ الأطْفالِ يَتَهامَسون"إنَّهُ لا يَعْرِفُ وَطَنَهُ،مُحَمَّدُ الشّاطِرُ لا يَعْرِفُ أيْنَ تَقَعُ صَفَدُ".
عِنْدَما عادَ إلى بَيْتِهِ،لَمْ يُكَلِّمْ أحَداً، أغْلَقَ البابَ عَلى غُرْفَتِهِ وَجَلَسَ يَبْكي بِحُرْقَةٍ وَصَمْتٍ،إنَّهُ يَعْرِفُ صَفَدَ أكْثَرَ مِنْ الأسْتاذِ نَفْسِه،إنَّهُ يَراها كُلَّ يَوْمٍ في أحْلامِهِ،رُبَّما الأسْتاذُ لا يَعْرِفُ مَعْنى الحُلْم،وَمَعْنى أنْ تَتَخَيَّلَ أنَّكَ عُصْفورٌ،وَلا يَعْرِفُ مَعْنى الشَّقاءِ وَالألَمِ،إنَّ الأسْتاذَ لَمْ يَعِشْ في المُخَيِّمِ وَيَأتي مِنْ مَدينَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ أنيقَ الثـِّيابِ مُرَتَّبَ المَظْهَرِ..لِكَيْ تَعْرِفَ صَفَد يَجِبُ أنْ تَكونَ لاجِئاً،يَجِبُ أنْ تَعيشَ في المُخَيَّمِ،يَجِبُ أنْ تَكونَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ...كانَتْ الأفْكارُ تَتَوالى في رَأسِ مُحَمَّدٍ وتَعْصِفُ بِذِهْنِهِ،لكِنَّهُ هَدَأ بَعْدَ فَتْرَةٍ،وَقَرَّرَ أنْ يَحْفَظَ الخارِطَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ،لِكَيْ يُثْبِتَ لِلْجَميعِ أنَّهُ يَعْرِفُ وَطَنَهُ.
في المَساءِ دَخَلَ أبوهُ غُرْفَتَهُ وَجَلَسَ قُرْبَهُ وَسَألَهُ"لِماذا كُنْتَ تَبْكي يا بُنَيّ؟"،فَحَكى لَهُ مُحَمَّدٌ كُلَّ ما حَدَثَ في حِصَّةِ الجَغرافيا..فَكَّرَ أبوه قَليلاً ثُمَّ قال:"يا بُنَيّ أنا أيْضاً لا أعْرِفُ أيْنَ تَقَعُ صَفَدُ عَلى خارِطَةِ فِلَسْطينَ،لكِنّي أعْرِفُ صَفَدَ أكْثَرَ مِنْ أيِّ شَخْصٍ آخَرٍ،أعْرِفُ وِدْيانَها وَأشْجارَها وَبَساتينِها،أتَذَكَّرُ سُكّانَها،أتَذَكَّرُبُيوتَها التي كانَتْ مُشَيَّدَةً فيها بَيْتاً بَيْتاً،أتَذَكَّرُ مِئْذَنَةَ الجامِعِ وَصَوْتَ المُؤَذِّنِ.هُناكَ أشْياءُ لا يُدْرِكُها سُكّانُ المَدينَةِ لأنَّهُمْ لَمْ يَفْقِدوا مَدينَتَهُمْ،رُبَّما يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَعْرِفَ أيْنَ تَقَعُ صَفَدُ عَلى خارِطَةِ فِلَسْطينَ،ولكِنْ عَدَمُ مَعْرِفَتِكَ ذلِكَ لا يَعْني أنَّكَ لا تَعْرِفُ وَطَنَكَ،ما دامَ وَطَنُكَ في قَلْبِكَ فَأنْتَ تَعْرِفُ وَطَنَكَ،لا تَحْزَنْ يا بُنَيّ،وَلا تَسْتَسْلِمْ،وَأنا أعْرِفُ أنَّكَ في الغَدِ سَوْفَ تُجيبُ إجابةً صَحيحةً وَتَعْرِفُ أيْن تَقَعُ صَفَدُ،ألَيْسَ كذلِكَ؟".هَزَّ مُحَمَّدٌ رَأسَهُ مُوافِقاً..قامَ والِدُهُ..َوَقَفَ عِنْدَ البابِ،ثُمَّ نَظَرَ إلى مُحَمَّدٍ وَقالَ"العصافيرُ أيْضاً لا تَعْرِفُ الخارِطَةَ،لكِنَّها دائِماً تَهْتَدي إلى أوْطانِها..نَمْ مُطْمَئِنّاً يا بُنَيّ،إنَّ الغَدَ يَومٌ آخَرٌ،احْرِصْ عَلَى أنْ يَكونَ أفْضَلَ مِنْ هذا اليَوْمِ"ثُمَّ خَرَجَ وَأغْلَقَ البابَ.
في اليَوْمِ التّالي،دَخَلَ الأسْتاذُ الصَّفَّ،وَعَلَّقَ خارِطَةَ فِلَسْطينَ..نَظَرَ إليْها مُحَمَّدٌ،كانَ مُطْمَئِنّاً وَهادِئاً،إنَّه يَعْرِفُ وَطَنَهُ وَيُحِبُّهُ بِشِدّة،وَيَعْرِفُ أنَّ لِلوَطَنِ أشْياءَ أبْعَدَ وَأعْمَقَ مِنَ الخارِطَةِ..لا يَسْتَطيعُ أحَدٌ أنْ يَرى أشْجارَ صَفَدَ وَعَصافيرَها عَلى الخارِطَةِ..وَلا أنْ يَعْرِفَ وِدْيانَها وَسُكّانَها..وَمَع هذا شَعَرَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أحَبَّ الخارِطَةَ-فَجْأةً-فَهي في النِّهايَةِ خارِطَةُ فِلَسْطين،ومُحَمَّدٌ يَعْشَقُ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِفِلَسْطين..نَظَرَ الأسْتاذُ إلى مُحَمَّدٍ وَقالَ:"أيْنَ تَقَعُ صَفَدُ يا مُحَمَّدٌ؟"..شَعَرَ مُحَمَّدٌ أنَّ قَلْبَهُ يَنْبِضُ أسْرَعَ مِنْ ذي قَبْل،إنَّ صَفَدَ قَريبةٌ..قَريبةٌ جِدّاً مِنْهُ..إنَّ صَفَدَ في قَلْبِهِ قَبْلَ أنْ تَكونَ في أيِّ مَكانٍ آخَرٍ...رَفَعَ مُحَمَّدٌ رَأسَهُ وَأجابَ عَلى سُؤالِ الأسْتاذِ:"في قَلْبي يا أسْتاذُ.."سَكَتَ قَليلاً،ثُمَّ تابَعَ:"وَفي شَمالِ فِلَسْطينَ أيْضاً"..وَأشارَ إليْها على الخارِطَةِ.

أناستاسيا قرواني

الاثنين، 14 فبراير 2011

كان الماضي حقّاً أجمل !!



كانوا أشخاصاً طيبين، يعيشون مع بعضهم، في سهراتهم الطويلة يتحدثون كثيراً عن أمور كثيرة، عن الوطن الممزق عن الظلم، يروون قصصاً كثيرة الإنسان فيها أكثر إشراقاً ومحبة. يقولون أن الناس "زمان" كانوا أكثر صدقا وطيبة، أن الحياة كانَ لها شكلاً أعمق، والمعاني كانت تفيض من كل شيء. كل شيء له معنى، الأمور التي نراها بسيطة الآن كانت قيّمة.. يتحدثون عن كل الأمور التي لم تعد موجودة. المحبة والأحاسيس النبيلة، الخير الكثير وراحة البال والأمان.. كل هذه الأشياء لم تعد موجودة – كما يقولون بالطبع. فهم عارفون بأمور الماضي كلها، الماضي كان أفضل بلا شك.. كيف وصلنا إلى هنا إذن؟.. سألت ذات مرة أحدهم. إن كان ماضيكم جيداً وكنتم أناساً جيدين، وكل هذا السوء لم يكنْ موجوداً – بعد- فكيف أنجب هذا الماضي الجيد واقعاً مظلماً؟ لقد كان سؤالا محرماً، بعض الماضي يكاد يكون مقدساً إلى درجة أصبح من غير الممكن أن نسأل عنه، كان علي تقبل الأشياء كما هي دون أن أسأل.. فلسبب ما أنجب الماضي الطاهر واقع الخطيئة، ربما السبب أبناء هذا الجيل الخاطئين، ربما هذا التفسير أسهل من السؤال نفسهِ علينا، ولا بأس أن لا نفهم أي شيء.. الأشخاص الطيبون الذين لم يفقدوا الإيمان بالعادات القديمة، يعرفون كل القصص الجميلة التي لم تعد تحدث، وبعض القصص الأخرى التي يصعب أن تحدث حتى في أحلامنا، لكنهم يؤكدون أنها حدثت، كما حدث في تلك القصة التي سأرويها عنهم :
يقولون أنه مرّت أيام قحط شديدة القسوة والجفاف، ماتت أغلب الماشية وجفّ الزرع ونتن الهواء.. انتشرت الأمراض الغريبة، حصدت أرواح الكثيرين، كانوا يصلون نهارَ مساء، للإله ِ العظيم أن يرفع عنهم هذا البلاء الشديد.. وبينما هم يصلون في مصلاهم، إذ جاء عليهم طفل يصرخ: مطر.. مطر، المطر رح يجي لعنا .. خرج الأهالي جميعاً مهللين.. ينظرون إلى السماء الغائمة، يشتمون أنفاس الريح الباردة النقية، كادوا ينسون طعم الّريح القادم من الغرب بنكهته البحرية ويتلذذون بأولى حبات المطر تسقط هادئة وناعمة. وبينما هم كذلك، أبصروا رجلاً قادماً من بعيد، يرتدي لباساً أبيضاً.. فاستغربوا شأنه وعلى عادتهم الطيبة ركضوا نحوه مستقبلين. استضاف أهل القرية هذا الرجل في مضافة القرية، وحدثوه عن محنتهم وشدة كربتهم، وعن صلاتهم ودعائهم .. وعن هذا اليوم المبشر الذي اجيبت فيه صلواتهم وفتحت السماء صدرها لهم. استمع الرجل بصبر، وهزَ رأسه باهتمام... ثم رفع يده طالبا منهم السكوت، وبدأ بالحديث: اليوم أجيبت صلواتكم من السماء، ولقد أتيتكم منها حاملاً معي المطر والغوث، لأعلن نهاية البلاء، وبداية العصور الخضراء.. فأنا البشير لكم. بهت أهل القرية لكن كبيرهم قام وصاح: يا مرحباً بكَ أيها البشير، بت بيننا عزيزاً ومكرماً..
وأخذت الحكايات تنتشر في القرية، عن الرجل الذي جاء حاملاً المطر وقدم رسولاً بالخير، وعن بركاته وكراماته وعجائبه. وأخذ الناس يتدافعون إلى المضافة، يتمسحون بجسده ولباسه الأبيض ويطلبون الرضا والمغفرة والوساطة عند السماء، والدعاء المستجاب. وقد حاولَ الأهل تقديم القربات والعطايا لهذا الرجل المبارك، لكنه كان يرفض قبولها.. ولم يأخذ حتى الأكل البسيط.
ومكث فيهم أسبوعاً صائماً عابداً.. وفي اليوم الثامن، أرسل إلى الناس خبراً، بأنه تلقى أمراً بالرحيل، وأنه يريد أن يجمعهم لكلمة أخيرة، يودعهم بها. فاجتمع الناس.. وأخذ الرجل بالحديث، فذكرهم بالخير والأخلاق، وأطال بالوعظ.. ودعا لهم ثم سكت. فقام أحد رجال القرية وقال: يا أيها الرجل الذي أتيتنا حاملا المطر، لكنك لم تأخذ شيئاً حتى الأكل، فبقيت صائماً بيننا بعد أن جلبت لنا سبب الحياة وإنا لنخشى أن تذهب هكذا فتعود السماء إلى غضبها.. فوقف الرجل وأدار بنظره على الجالسين، ثم قال: أما العطايا فلم آتي لأجلها، إنما أنا رجل أتيتكم ببشرى، وسأذهب كما أتيت. ولكن إن أردتم أن لا تنساكم السماء مرة أخرى ولا تضل غيماتها عنكم، فأرسلوا معي وثائق ما ملكتم من الأرض والزرع، لأختمها بختم الأولياء الموجود عند الولي الأكبر في مدينة أخرى، على أن أعيدها لكم السنة القادمة في رحلتي المقدسة.
ويومها، تدافع أهل القرية بوثائق أراضيهم يحفظونها مع هذا الرجل المبارك، ومن أقدس سراً من الأولياء الصالحين؟..
لكن القصص التي تبدأ سعيدة لا تنتهي كذلك دائماً، فقد مرّت سنة، واثنتين.. والرجل المبارك لم يعد. ثم في السنة الثالثة هجم على القرية جنود وغرباء ادعوا ملكية الأرض.. وعندما احتج الأهالي، اخرج الغرباء وثائق ملكية تثبت صحة أقوالهم. ولم يستطع أهالي القرية إثبات حقوقهم، وقال بعض الناس دعونا ننتظر السنة القادمة علّه يأتي الرجل الصالح، وطلبوا مهلة عامٍ .. ومرت السنة وتلتها السنة، فقال بعض الناس: نرحلُ نحن ونبحث عن الرجل الصالح ونأخذ وثائقنا، فحزموا أمتعتهم ومضوا.
يقول الناس الطيبون: أنهم أضنوا قلوبهم في الإنتظار، لكن أحداً لم يجيء، لا رجل المطر، ولا أولئك الذين رحلوا في البحث عنه. أما قريتهم فقد هجروا عنها إلى قرية مجاورة، ثم هجروا مجدداً إلى أماكن أخرى.. وهكذا كتبت عليهم الغربة والفقد وتشتتوا.. ومن تبقى منهم لا يزال يدعو باسم الرجل الصالح الذي حمل إليهم المطر.
الآن من سيصدق أن رجلاً ما يحمل على ظهره المطر ويجوب الأرض؟.. ثم مهما كانت رحلته مقدسة، ولو جاب الأرض كلها فلن يستغرق كل هذه السنوات!. هذا يحدث في الماضي فقط.
في طريق المخيم الضيق، وفي يوم ممطر.. ضحكنا كثيراً أنا وأخي على هذه القصة.. على أبطالها الساذجين ورواتها الأكثر سذاجة، وعلى جدتي التي سوف تقاطعنا اربعين يوماً إن هي علمت أننا ضحكنا. كان الطريق ضيقاً واليوم ممطراً... ونحن نضحك على تلك الفكرة التي تبدو ساذجة بأن الأشياء كانت أفضل في السابق، استنتجنا من هذه القصة ومثيلاتها أن الأشياء لم تكن أفضل، لكن الناس كانوا أجهل من أن يدركوا ذلك. كنا ذاهبين لإستلام حصتنا من الطحين .. من إحدى المنظمات الخيرية، كان كيساً صغيراً جدا علينا، ومع ذلك كنا نمشي مسافة طويلة لإستلامه.. كنت أفكر بكل هذا الحديث الذي بدأناه لنضحك.. لكنه أوصل قلبي إلى غصة مكبوتة، من الأفضل أن تظل كذلك.. ولوقت طويل حاولت أن أطرد من بالي سؤالاً ملحاً : ما وجه الشبه بين ذلك الرجل الذي حمل المطر، وهؤلاء الذين يحملون إلينا الطحين؟..لا.. ليس ثمة شبه بين غيمة مطر كثيفة، وكيس الطحين الصغير هذا.
ابتسمت مع داخلي، ربما.. الماضي حقاً أجمل، فالناس لم يكونوا ليصدقوا رجلا يحمل كيس طحين.





الجمعة، 7 يناير 2011

تلاشي



"عندما تثاءب العالم هذا الصباح وفتح فمه الضخم ، فاحت رائحة نتنة من أعماقه وكدت أختنق، لكنّي فتحت نافذتي وقفزت إلى عالم آخر.. سأكون بخير". كان هذا كلّ ما كتبته على ورقة صغيرة، غرفتها لا تزال كما هي.. مرتبة ترتيباً مدروساً ونمطياً. كانت تكره النمط والروتين، لكنها كانت تحب أن تبقى غرفتها مرتبة بنمط معين لا يتقنه أحد سواها، وقد تركت الغرفة على شكلها المعهود منذ أن قفزت إلى عالم آخر من نافذتها التي لا أثر لها الآن، فتركت على الجدار مستطيلا كبيرا غير مدهون، كان يشكل في السابق محلّ النافذة التي اختفت. إنها السنة الثانية تمر اليوم.. وكل شيء لا يزال متروكاً محله، آملاً في أن تعود مع نافذتها .. يوماً ما.
التفاصيل الصغيرة التي لا تكفّ عن الثرثرة بقيت مخلصة لها، ولطابعها المميز في إضفاء صبغة من الحياة على كل شيء. آمنت منذ صغرها بأن كل الأشياء ترى وتحس، كان ذلك يبعث الفكاهة ويجعلها طفلة طريفة.. لكنه فيما بعد أصبح باعثاً لسخرية الغرباء وهاجسًا مقلقاً لمحبيها، كلما تقدمت في العمر. فالأشياء كما نعلم جميعا – ليست كل الأشياء – لا ترى، ولا تحس.
لكن لا أحد كان قادراً على إقناعها بذلك، حاولت أن أسألها مرّة كيف بدأت تحس بأن الأشياء كلها تحيا، ورجوتها أن تتذكر.. فروت لي كيف أنها ذات مرّة حملت سكيناً صغيرة، وبدأت تحفر أحرف اسمها على جذع شجرة مخلوعة، فلاحظت سائلاً يندلق من الشجرة، وعندما سألت جدها عن ذلك قال لها أن الشجرة تبكي لأنها تجرحها بالسكين.. ثم روت لي قصة أخرى عن برتقالتين ملتصقتين إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، وكيف أن جدتها أخبرتها أن الكبيرة والدة البرتقالة الصغيرة، وعندها رفضت أن تأكل البرتقالة، لا.. بل لم تأكل برتقالاً منذ ذلك الحين.
التفاصيل الصغيرة هي البدايات التي لا نستطيع تحديدها، التفاصيل الصغيرة عندما تتناسج فيما بينها وتشكل الحلقة الأولى التي لا نتوقع عنها شيئاً، ولا نذكر عنها أي شيء.. كيف بدأ كل شيء؟ لا أحد يعلم. حتى هي ربما.. تظن أنها جرحت شجرة، ثم قضت عمرها فيما بعد تعاني من عقدة الذنب. لكنه ليس كذلك، لقد راقبتها منذ نعومة أظفارها، لم تكن سمعت بعد أن الأشجار تبكي، ولم تكن تميز بين البرتقال أو أنواع الفواكه الأخرى، لكنها كانت تحضن كلّ شيء تحبه، وكانت كلما خرجنا في نزهة تعانق جذع الصفصافة الضخمة النابتة عند منعطف الشارع، كان عمرها ثلاث سنوات، وهي لا تذكر عن هذه الحادثة أي شيء.. فأين كانت البداية الحقيقية لتلك الفكرة التي جعلتها تتيقن من أن الأشياء حولنا ليست مجرد جمادات، إنما هي أشياء جميلة ولها روح. حتى المكان نفسه له روح في نظرها، البيوت لها روح، المدن لها أرواحها المميزة، التي تجعلنا نتآلف مع المدن التي تشبهنا دون أن ندرك تماماَ كيف أو لمَ هذه المدن بالذات، وتجعلنا نأنس ببيوت دون سواها ولا نستطيع أن نشرح بالكلمات لم يحدث هذا.. وهل بإمكاننا أن نقتنع بأن للمكان روح؟ بالنسبة لي لم تكن إلا مسألة أذواق ونظرة شخصية في الجمال. أما بالنسبة لها فلم تكن تبحث في الحياة سوى عن الرّوح التي تشعر بها دون أن تحتاج إلى رؤيتها، وكانت دائما تتوفق في إختيارها للأشياء بشكل غريب، وكانت كل ما تختاره يليق بها، كما لو أنه يتفق في اختيارها أيضاً، كما لو أن لهما روح واحدة . من المضحك أنها كانت تختار كتبها بنفس الطريقة، كانت مولعة بالكتب، وولعها كان أكثر من مجرد قراءة، لقد كان علاقة روحية أيضاً.. فعندما تدخل إلى مكتبة، كانت تنظر إلى الكتب ثم بطريقة غريبة تنتقي الكتب عشوائياً، وتخرج سعيدة جداً، وعندما كنت اسألها كيف كانت تنتقي كتبها، كانت تقول لي ببساطة: نحن نختار بعضنا، الكتاب الذي أرتاح له أقرأه. كانت طريقة طفولية في القراءة، لم أعتقد أنها ستفضي إلى معرفة حقيقية، أو ثقافة مدروسة من شأنها أن تبني شخصية قوية ومنطق علمي. لكنها لم تكن تهتم إلا أن تشعر بذلك الإحساس.. وأن يستمر داخلها، ويعيش ذلك الطفل الصغير الذي يرى العالم بعيون أخرى.. ولا يفهم كلمات على شاكلة ثقافة ومعرفة وشخصية قوية، لم يكن هذا كله مألوفاً أو حتى مهماً، العالم ليس لما نعتقد، هذا كلّ ما أرادت مني أن أؤمن به، العالم أوسع من قدرتنا على تعريفه أو ووصفه.. لقد تركنا أنفسنا تنصاع إلى اعتقادات غيرنا، وتخلينا عن قدرتنا الشخصية في فهم الحياة، وحقنا الشخصي في الرؤية، ولم نعد قادرين على أن نحلم.. لذلك نفنى بسرعة، قبل أن تتوقف أجسادنا عن الحركة بعقود، نكون قد توقفنا عن الحياة، وتحولنا إلى روبوتات ليس لها روح مميزة، حتى الأحجار المترامية في الجبال تحمل ذاكرة أقوى منها، وتبقى أكثر إخلاصاً لذاتها، وعندما ندخل إلى بيت نلمس دفء حجارته أو غربتها وبرودتها..كانت تريدني أن لا أكف عن الحلم وأن أبحث عن الرّوح أيضاً لأنها تحب أن تشاركني ذلك الإحساس الحميم في إدراك الفرح أو الحزن، أو التقرب من أعماقنا المخبأة والتي تشبه النجم المفقود، "كوني شمس نفسك"..
والآن وكل شيء مطفأ ومظلم، أعلم أن ما نقبله اليوم كمسلمات وحقائق، كان أحلام من سبقونا في الماضي، وكان خيالاً جميلاً.. لكنه لم يتحقق بتلك الصورة. شيء ما حدث وغير طبيعة الحياة التي لم تعد تتنفس، وتعفنت في جوف هذا العالم.. لكننا لم نلاحظ مطلقاً. لم نلاحظ سوى ملاحظتها الصغيرة، والنافذة التي اختفت فجأة. والتفاصيل الصغيرة التي تركتها، التفاصيل التي قضت عمراً طويلاً في تكوينها، غادرتها فجأة.. ورحلت إلى عالمها اللامرئي، وليس هناك أشد قسوة من أن لا يراك أحد، وأن لا تكون قادراً على رؤية نفسك، وهي بالأخص.. لذلك، أعتقد أن ما حدث هنا شيء رهيب، شيء ما حدث لم يكن من الممكن احتماله، شيء دفعها إلى أن تترك كل أحلامها وتختفي في الرّيح والصمت والظلّ... بلا تفاصيل.

السبت، 8 مايو 2010

لن آكل الثلج



بقلم : A. Qarawani


كنتُ جثة هامدةً ممددة على سريرٍ أبيض، غرفة باردة كالثلج، تغصّ برائحة الدواءِ ولا نوافذ..
كانت أمي جالسةً قربي طوال شهرين، وإن كنتُ فاقدة الوعي أغلب الوقتِ غير أني كنتُ أحلم أنّ أنفاسها تعبر رئتي المعطوبة بدفء، وأسمعُ بكاءها السري، وأحزنُ من عجزي أن أفتح عينيّ أو أمدّ كفي المرهقة، وألمس خدها الناعم ، وأقول لها: «هل تسامحيني؟»..
كنتُ أحاولُ أن أقول لها كلما صحوت، أنني نادمةٌ جداً، وأنني لنْ آكل الثلج المكوم على حافة النافذة وأغصان الشجر بعدَ الآن . لكنّ الجحيم كان يستعرُ داخلَ جسدي، والصدر حارّ ينضحُ بالدّم؛ السّل ينهشُ أنسجة الرئة الصغيرة، والحنجرة بيضاءُ كقطبِ الجليد. لمْ أكنْ جسداً واحداً.. كانت روحي معلقة في السقف، أنظر إلى أمي، وأسمع كلام العابرين، وأنظرُ إليّ.. طفلة ذات خمسِ سنوات هزيلة وزرقاء، وأتساءل: لمَ لا يغطونني والبرد قارس؟..
كلما فتحتُ عينيّ تسرعُ أمّي نحوي، تمسّ جبيني بحذر، تتمتم أشياءَ لا أسمعها ولا أفهمها.. كنتُ أريدها أن تقبل خدي الغائر في وجهي، أن تحضنني كي أتأكد أن جسدي لمْ يتحلل بعد. ويهذي ما تبقى في القلب: أتخشى أن تقترب مني أكثر؟
كنتُ أرحل في فسحةِ اللاوقتِ، اللا إحساس، الذهول، والترقب .. وكان لابد أن أصلَ إلى إحدى الضفتين كي تكفّ الرئة عن الفوران، وتهدأ الأنفاسُ المضمخة بالدم، وأتخلص من رائحة الكيمياء الدائرة في جسدي ..
للسقف طعمُ الغربة. أن تراقبَ نفسكَ من علو، وتطالع خطى الوقت، وحركات الزائرين، أن تكون قربـ «ك» دون أن تكون فيك. أن تراقب المكان، وأنت غير مرئيّ. وببطء تفقد حرارةَ الحياة، ويتجمد اللون الوردي في بتلاتِ الرّوح، ليس الألمُ، ولا التعبُ ما يثقل حبال القلب. إنما هذه الحيرة، بين الرغبة في البقاء، والحاجة للخلاص. كنتُ أتوقُ للرّاحة .. لكنّي كنتُ أتوقُ لنفسي أيضاً، لنكهةِ الصباح، لمرحِ الطفولة، ولملمسِ الأرض.
لم يكن أحدٌ قادراً على أن يعيدني، وبدأت أدركُ أنّ السقف لن يتحملني طويلاً.. وأنني متعبةٌ بما يكفي لكي أذهب. أرخيتُ روحي.. وشعرتُ بتمددِ الهواء، واتساعِ الفضاء وخفة فقاعات الصابون.. فأغمضتُ عيني، وحلقتُ... حلقتُ، حتى شعرتُ بغياب كل شيء، وأنني أتصاعدُ كبخارٍ وأتناثرُ في جوفِ الكون.
كان البرد يتلاشى قليلاً قليلاً، ثم أخذتْ تغمرني حبّات دفء طرية، واختفت رائحة السقف والممرات البيضاء، وشعرت بفسحةٍ خضراء تملأ روحي. حلمتُ بي، حلمتُ بالطفولة، بملمسِ الأرض، بعطرِ البيت، بالأزهار، بالألعاب.. وحلمتُ بأمي..
شعرتُ بخصلاتها الناعمة تهطلُ فوق وجهي، وتحسّستُ بَللَ أنفاسِها في الهواء، تصورت طيفها الحاني.. وانتابني وهجُ الشوق .. ففتحتُ عينيّ..
رأيت الغرفة البيضاء، وأنا طفلة هزيلة ممددة على السرير، وأمي نائمة قربي.



الخميس، 22 أبريل 2010

وعادت الروح تخفق

بقلم: A. Qarawani


" كان نهاراً مطفأً في قلبي ، أنفاس قلبي مهترئة وثقيلة ، دمي الجاري في عروقي منهك لا يمنح جلدي لونا طبيعيا ً . كنت غريبا ً ، المكان يلفظُني بقسوة ، ويتبرأ مني . لم يعد لك شيء هنا" . هكذا اعتاد أن يشعر .
لم يمض سوى ثلاثة أيام على خروجه ِ من مركز التأهيل ، هناك حيث كانوا يغسلون دمه ويطهرونه من رجسه القديم . لا يتذكر أشياءَ كثيرة حدثت خلال آخر سنوات قضاها ، معظمها في أزقة مظلمة ، وغرف مقيتة ، مع أناس ٍ كثيرين لا يجمعهم سوى إدمانهم . كان يحاول أن يتذكر أول لحظة حدث فيها ذلك . أول لحظة حلق فيها في فلك الوهم . لم يبد ُ الأمر بالغ الخطورة حينها ، كانت لحظة نزع فيها إلى التهور ، وشعر بجرأة وقوة تملآن جسده عندما تناول جرعته الأولى ، لقد تعدّى خطا ً أحمر َ، وتفوق على جبنه من القوانين والمحرمات ، وكان ذلك صاخبا ً ومثيرا ً .
لم يشعر أنّه غطس في وحلٍ عفن ، ولم يدرك أنه غارق إلا في لحظة متأخرة ، تلك التي تشعر فيها باقتراب الموْت . وتصبح كل دروب العودة موصودة بأبواب ضخمة . " لقد أفسدناه يا حسين .. أفسدنا ولدنا بالدلع " ، كانت والدته تردد وتبكي في المستشفى . كان يصحو على صوتها ، قليلا ً . ثم يعود ويغفو بثقل . أحلامه مليئة بصيحات وعويل وروائح قذرة ، أزقة مخيفة ، ووجوه مرعبة ، عيون ناتئة تحدق به من كل صوب . وفي أحد الزوايا النتنة ، يجد حقنة مليئة بسائل الوهم والخداع ، تلمع وتبرق ، تناديه .. تجذبه ُ ... ثم تخترق قلبه حتى آخره وتبث سمها المؤلم . " لقد تمكنت منّي هذه الحقنة حتى الأبد " .
لم يعد يعرف من هو ، لم يعد يشعر بالحياة حوله ، كان ينفصل تدريجيا ً عن هذا العالم . كان يموت من الداخل ، كل شيء جميل وحيّ وشاب ، بدأ بالتعفن والتشوه . لم يكن يفكر سوى بجرعة الغد ، تلك التي تنسيه كل شيء وتحمله إلى طبقات بعيدة ، خارجة عن نطاق جاذبية الأرض. ينتشي للحظات ، ثم يغيب . وعندما يصحو ، يهوي سريعا ً ، نحو حفرة بلا قاع ، وبداخله وحش مسعور من الألم، يمزق كل شيء .
يهرع ُ كالمجنون إلى بيت صديقه ِ "أبو الخير" كما كان يدعوه المدمنون ، لم يكن يبخل على أحد بالجرعات الخيرية ، التي يوزعها على الشباب البائس . " أغثني وحياتك ، سوف أموت " . فيبتسم صديقه " اهدأ يا رجل .. عندي ما تطلب " . فيهديه جرعة ببلاش . ليغيب مرة أخرى ، ويرتاح حتى حين .
كيف وصل إلى هناك ؟ . لم يكن ينقصه شيء في حياته ، لقد عاش حياة كريمة ، وتمتع بنعم ٍ كثيرة منذ صغره . أجل .. لقد كان طفلاً محظوظاً ، تلقى أفضل تعليم .. وحاز على ما يتمناه كل طفل في حياته . لم يكن محروما ً ، أو حزينا ً ، لم يكن معذباً ... كان محاطا ً بالأشياء الثمينة ، والكثيرة . محاطا ً بالحفلات والأعياد والأصدقاء . وبالأهل الطيبين ، الذين سهروا لأجله . كيف اختفى كل ذلك فجأة من حياته ، ولم يعد يشعر سوى بالحقد والكره والغربة ، وبلعنة تسري في جسده ... ؟
لم يعد له أصدقاء ، تخلى عنه الجميع ... ولم يعد بإمكانه أن يلجأ إلى أحد سوى " أبو الخير " ، الذي يستقبله برحابة وبشاشة ، " أنا أفهمك يا رجل ، أنا أعرف ما تشعر به ، لا أحد يهتم بك ، لا أحد يدرك ما يعتريك ، لكن أنا عندي راحة البال ... خذ هذه الحقنة هدية مني ، صغيرة لا تخيف ، تنسى وتهدأ " . وكانت الهدايا تكثر وتكبر يوما ً بعد يوم ... ويزداد تأثيرها وسحرها ، كانت تفعل أشياء عجيبة ، تأخذه بعيدا ً وعاليا ً، هناك حيث تفقد الأشياء قيمتها .
تغيرت ملامح جسده وتصرفاته ، أصبح شخصا ً مختلفاً ، كريها ومرعبا ً . أوعيته الدموية نافرة تحت جلده الأصفر ، عيناه جاحظتان يملؤهما الدم . والدته تردد " أنت لا تأكل كثيرا ً يا ولدي .. انظر ما حل بك ، كل ْ .. كلْ أكثر " . والده لا يكترث كثيرا ً بحالته الصحية ، يقول لوالدته " ابنك هذا يتعاطى شيئاً " ، ثم يدخل وينام .
أما هو ... فلم يعد يعي ما يقال أو يحدث ، ولم تكن له سوى وجهة واحدة ، " أبو الخير" ...
" أنت يا أبو الخير، أنت منقذي وصديقي ، لم يساعدني أحد بقدرك ، لم يهتم بي أحد مثلك من قبل ، أعطني جرعة .. فأنا متعب " . فيبتسم أبو الخير ، ابتسامة جديدة هذه المرة " أجل يا صديق ، سأعطيك هدية .. لكنها آخر مرّة ، والمرة القادمة ، سآخذ منك مبلغا ً بسيطا ً مقابل كل جرعة ، تعلم الأوضاع صعبة ، والعيال بدها أكل " .
وهكذا ... اختفت عطايا أبو الخير وبركاته ، وأصبح هو أيضا ً شخصا آخر . وكانت الجرعات تزداد ثمنها يوما ً بعد يوم ..
المال الذي يحصل عليه من والده ، غير كاف .. كان لابد من أن يسرق بالخفاء . أن يأخذ كل ما يجده ، أن يبيع أغراضه ، وكل ما يتمكن بيعه من متاع البيت . كان يمضي أيامه وهو يحاول أن يوفر ثمن جرعة ، غير آبه ٍ ولا مكترث لما يحدث حوله . " هذه المرة فقط يا أبو الخير ، خذ نصف الثمن ، أنت تعلم أنني بحاجة إليها .. سأموت إن لم أحصل على هذه الحقنة " . فصاح به صديقه القديم " هذه المرة فقط ، والمرة القادمة سيكون ثمن جرعتك مضاعفا ً ، وإن لم تملك المال فلا تعد إلى هنا مرة أخرى " .
كانت شياطين الجحيم تشرب روحه ، وتمتصها بلؤم .. جال في شوارع المدينة غائبا ً وضائعا ً ، نام في أزقتها المظلمة ، وغرفها المشبوهة ، تعرف على تلك الطبقة المختئبة في احشاء العتمة والظلمات . كان عالما ً مجنونا ً ، وبشعا ً .. ذلك العالم السفلي . لكنه قد فقد نفسه تماما ً ، ولم يعد يذكر طريق العودة إلى بيته .ورأى العالم الذي تشرق فيه الشمس بعيدا ً ونائيا ً ، لا مكان فيه لأمثاله .
حاول أن يحصل على جرعاته بكل الطرق ، والأعمال المشبوهة ، لا يذكر كل ما قام به من أجل أن يقدم قربان لذلك الوحش الذي تملك جسده . مارس كل طقوس العالم المظلم . ولم تكن فيه خلية واحدة ناجية من جنون إدمانه . وكل مرة يعود إلى أبي الخير ، ذليلا وخاضعا ً ، راجيا أن لا يزيد ثمن الجرعات ويكتفي بما يأخذه منه .
لكنْ أبو الخير ، كان يعرف تماما ً ، كيف ينتشر اللهيب في جسد الشاب ، وكيف تجتاحه الطعنات ، وأن الألم الذي يزلزل أجزاءه لا يمكن أن يتوقف إلا بهذه الجرعة ، وأن هذا الشاب سيدفع ثمنها ولو دما وروحا ً . وبهذا كان يكسب رزقه من مئات الشباب الضائعين ، الذين ابتلعهم وحل الإدمان . " أنت تعرف يا صديقي أن الأوضاع صعبة ، ولا أستطيع أن أبيعك الجرعة بهذا المبلغ الصغير بعد الآن ، أنا أتعب في عملي ، وأنت تعرف الخطر الذي أواجهه لأوفر لك هذه الحقنات " .
- لكنني أحتاجها ... أنا أتمزق
- هذه مشكلتك . وليست مشكلتي ..
أين اختفت الأضواء ؟ من الذي سرق الهواء النظيف ؟ والماء الزلال ؟ والبيوت المبتسمة والشبابيك المليئة بالأحلام ؟ ... كان وحيدا ً ، وصغيرا ً أمام قوة ضخمة تصر على إتلاف كل ما تبقى منه ومن حياته . وقف هناك أمام أبي الخير ، الألم يحرق أطرافه ، ويمزق أعضاءه ، لم يتبق له أي شيء الآن .. كان بلا هوية ، لم يكن يذكر اسمه ، لم يعد يعرف الطريق إلى بيته ... لم يكن حيا ً ولا ميتا ً ، ولم تكن له رغبات سوى رغبة واحدة ، أن يحصل على الحقنة . لكن أبو الخير لن يمنحه واحدة اليوم.
اجتاحته موجة إنكسار ، وشعر أنه ضئيل وصغير ، في بطن عالم متوحش سلبه الحياة والإنسانية . لم يعد له أيّ شيء في هذا المكان ، لم يعد يشعر بأن بداخله روحا ً تخفق . لم يعد في صدره سوى فراغا موحشا وأسود ، كان جثة محشوة بالبؤس ، وبشظايا حياته المدمرة ، أنفاسه لزجة ، حلقه تستوطنه الطحالب والعوالق المميتة ، تمتص كل ذرة نظيفة تحاول أن تدخل لصدره أو تمنحه بعض الأمل .
نظر إلى شارع طويل ، لم يكن له نهاية .. كان يبدو مثل بئر سحيق يمتد حتى الظلمات المنسية ، بلا قرار . من دخل هذا الشارع فهو ملعون ، ضائع .. مفقود حتى آخر رمق فيه . سار بلا وجهة .. سار طويلا ً وعبر الأزقة والحارات ، كان غارقا في وحله حتى العمق . كان يشعر بالنهاية القاسية تتصاعد إلى رأسه ، لقد بدأت أجزاؤه بالتساقط .. واحدة تلو الأخرى ، وهو يسير ... ولا يرى ، ولا يفكر ، لقد ترك مصيره النهائي للعتمة العمياء .
" سأودع هذا العالم ، سأختار العدم الذي لن يذكرني ، والذي يغيبني حتى الأبد ، لقد متّ منذ وقت طويل ... لكنني لم أدرك هذا سوى الآن ، وفي هذا العالم ، أنا لست سوى جرثومة تتغذى على فضلاته ، وتلحق الأذى بالأشياء الجميلة " . لقد بدت لحظة النهاية جلية في عقله ، وشعر أنه توصل لأول مرة منذ فترة طويلة إلى قرار سليم وحقيقي .. سينهي حياته ، سيحرر الآخرين من وجوده المؤذي ، سيحرر نفسه من الألم الفظيع ، ولن يكون بحاجة أي أحد بعد الآن .. سيخرج من بطن هذا الوحش ، ولن يكون هناك المزيد من أمثال أبي الخير يستعبدونه ويستغلونه .
كانت فكرة لامعة ، شعر بقوة مخيفة تناديه نحو الموت .. ركض بجنون ، نحو جسر المدينة ، ركض وركض وركض .. وشعر أنه سعيد كما لم يكن أبدا خلال فترة طويلة ، كان يقرر ... لقد قرر أخيرا ً أن يكون حرّا ً ، وأنه لن يحتاج أية حقن بعد اليوم ...
وقف على حافة الجسر ، كان ينظر للعالم مرة أخيرة . الأشجارُ ، الأضواءُ ، السياراتُ ، الناس الطيبون ، الروائح الزكية ، ضحكات طاهرة .. كلها أشياء بدت مختلفة وجميلة ، أشياء لم يرها سابقا ً . كان ينظر للحياة ، شعر أنها تحاول أن تقول شيئا ما .. لكنه لم يكن يفهمها ، لم يكن يسمعها .. شعر بحزن ثقيل ، ثقيل ... يجذبه نحو القاع ، يجذبه بقوة . كان طائرا صغيرا وجريحا ً في سماء واسعة .. لمعت في عينيه دمعة دافئة ... نزلت على خده الغائر ، تذكر لمسة أمه التي مسحت هذه الدمعة كثيرا ً . الآن يتذكر .. ويعرف ، لكنها لحظة الموْت التي لا يستطيع الفكاك منها . شعر أنه يتباطأ ... وأن الحياة تحايله مجددا ً ، لابد من إنهاء الأمر سريعا ً . " هذا العالم ليس لي .. " . أغمض عينيه ، ثم قفز .
لكنه لم يمت ْ يومها . استيقظ على صوت أمه ِ ، في المستشفى ... ولم يصدق ، أو لم يفهم .. إصرارَ الحياة على أن تبقيه هنا . شعر بالكآبة واليأس . لم ينجح في أي شيء حتى في محاولته لأن يموت ! . العالم بالنسبة له مكان مخيف ، لا يريد أن يبقى فيه ، كان يحلم بالكوابيس والحقن وأبي الخير والأزقة التي تشبه القبور . وكان يبكي بحرقة وينتفض من الألم والخوف ، كلما تذكر حياته القديمة .
لكنّ الأمل والحلم ، يتسللان إلى أي قلبٍ عرف طعم الحياة . كانت الأيام الطويلة التي قضاها في العلاج قاسية وشاقة ، لكنه شعر بالأمان ،والإنتماء هناك ، حيث كان محاطا بالعناية والإهتمام . كان كل ما حوله يكتسب لونا ً ومعنى ، كان مكانا نظيفا ً وهادئاً ، ومليئا ً بالناس اللطفاء . وبدأ قلبه يستعيد اللون الوردي ، وبدأت روحه تتحرك في أجزائه . لقد كان يتألم أحيانا ً ، ويكتئب أحيانا ً أخرى .. لكنه كان يبتسم أيضاَ ، ويتذكر ويتعرف على أشياء جديدة . شعر بأنه حيّ ... وكان لهذا الإدراك أثرا ً عميقا ً في نفسه .
تعبره الذكريات ، الآن هو شخص آخر . شخص جديد ، ذاته صفحة بيضاء ، عليه أن يملأها ويسد فراغاتها ، عليه أن يجد هويته ، وعليه أن يجد مكانا ً واضحا ً ونظيفا ً ويلتصق فيه بقوة ٍ وإرادة . عندما خرج من المستشفى .. شعر بالكأبة والخوف حينما واجه العالم الكبير . عندما شاهد الملامح القديمة ، الذي تذكره بأشياء كثيرة لا يرغبها . كان في داخله مرعوبا ً وضعيفا ً . ولم يكن هذا العالم الواسع آمنا ً بالنسبة له . لذلك قرر والداه أن ينتقلا بعيدا ً إلى بلد ٍ آخر ، صغير وهادىء .. حيث يمكن له أن يستعيد عافية روحه ، ويكبر الإنسان فيه قويا ً وصالحا ً ، حيث يمكن أن يغذي بذرة صالحة في قلبه ِ .قلبه ُ الذي انطفأ فيه النهار ذات يوم ، لكنه الآن عاد وأشرق ..

السبت، 17 أبريل 2010

وأغمضت القبة عينيها


كنت أراقبُ السماءَ طويلاً ، أراقب الغيمات السائحة .. بعضُ الغيمات تمر خفيفة ، تلقي بظلها الهادئ على كرمة هانئة ، تبتسمُ .. ثم تمضي .. بعضُ الغيماتِ تمرّ كئيبة ، مثقلةٍ بحبّـاتِ الحزن ، تتكىء على وجعها ، فيسيل دمعها غزيراً ورطباً .. فيغسلُ كلّ منافذ الألم .. ويحيي جفاف القلب والرّوح والأرض .. وبعض الغيوم .. تحمل معها الرياح وزخم العاصفة ، تقلب الأشياء .. وتتركُ هوةً في الرّوح لا تلتئم .

كنتُ أراقب غيمات العمر .. غيمةٌ واحدةٌ فقط أصابت العمر فانشطر ، غيمة واحدة رمادية تركت حريقاً في شقوقِ القلبِ ، غيمةٌ ولا تزال ماثلةً كأولِ يومٍ قاتمة كآذان الشؤم . ولا زالت تهبطُ عليّ نجواهم ، كلما أسبلتُ جفنيّ ...

مريم
لا زلتُ أستحضر كل ما حدث، تتوالى في مخيلتي الصور ، وتتردد في مسمعي الأصوات ، وتغص رئتي برائحة الأحداث والأماكن والأشخاص ، وأتذكرني وأنا طفلةٌ صغيرة ، كان كل ما حولي يدور بسرعة حاسمة ، وكنت أصغر من أن أدرك ما يحدث ، لكني علمتُ أن لا شيء سيعود كما كان ... حينَ سمعنا خبر هزيمة القوات العربية ، وأن استيلاء اليهود على مدينة القدس أمرٌ حتمي .

وتناقلَ الأهالي الشائعات عن الدماءِ التي تراق في الطرقات ، واليهود الذين لن يتركوا أحياءً في مدينة القدس ، ويحولونها إلى مقبرةٍ ويهدمون البيوت فوق ساكنيها . في ذلك اليوم ، كان البشرُ يتدافعون عبر طرقات المدينة المقدسة ، بأمتعتهم وأشيائهم ، يتركون بيوتهم فزعين ، بعض الجيران تركوا بيوتهم مفتوحةً ، لم يحملوا متاعاً أو غرضاً ، بعضُ الجيران ائتمنوا أبي على مفاتيحهم وأموالهم . جماعاتٍ يهرعون نحوَ الشاحنات ، وأية وسائل نقل متاحة آنذاك، فراراً من الموت نحوَ مصيرٍ مجهول .

وقال أبي لأمي : " اجمعي أغراضكم يا فاطمة ، وخذي البنات وارحلي مع أخيك ، سأبقى هنا أنا ويحيى نحرسُ البيت ، فالبيوت تموتُ إن لم تؤنسها روح .." ، فتسكت أمي ، وتطأطئ رأسها ، لم تكن قادرةً على أن تترك الحجّ ، والبيت ، والقدس ، وابنها الوحيد يحيى ، لكنها كانت خائفة علينا – ثلاثُ فتياتٍ . كان القرارُ صعباً على الجميع ، ومع الأخبار التي تصلُ عن التنكيل والتعذيب والموت الذي نالَ من تبقى في المدينة ، قررت أمي إرسالنا – أنا وزهرة وسروة – مع خالي ذيب .. نحوَ الضفة الشرقية ، ريثما تهدأ الأمور .

كان فجراً واجماً .. سرنا نحنُ الأربعة في زقاقٍ ناءٍ .. تاركين خلفنا القدس ، بدت كأمٍ ثكلى .. تنتحبُ بنشيجٍ مكتوم أبناءها الضائعين .. كانت شاحبةًوجميلة ، كعابدة صلبوا قدميها في وحلٍ أحمر ، لكنّ أكفها كانت تتجهُ نحو السماء صافية ونقية .
رأيتُ قبة الصخرة ، والجنود يقتحمون ساحتها الطاهرة .. فغشتها سحابة مغبرة ، وأظلمت قبتها الذهبية .. فانقبض قلبي ، وشعرتُ أن للدمع ملحٌ حارق ينخرُ خدّي ، وكان هذا آخر ما بدا من القدس .. ثم أخذت تختفي وراء الجبال شيئاً فشيئاً .. فينحدر معها النبض وتغيب الرّوح، ولا تبقى سوى الظلال الشاحبة ، وعويلُ الأحزان .

لا أتذكر كم سرنا ، لا أتذكر سوى الصمت المخيم على الرّوح ، والصدع الذي لم يهدأ أنينهُ ونزيفهُ ، وآلاف الأسئلةِ التي تصطدمُ بحائط الغيب وترتد حائرة ومفجعة . لم يأكل أحدنا شيئا، لم نشعر بالعطش ، بقدر ما شعرنا بالولع والحريق الذي ألهب ستائر القلب . كنتُ لا أكفّ عن التفكير بكل ما جرى ، بأمي اليائسة ، بأبي – الرّجل الذي بدا أكثر هدوءاً ويقيناً من أي وقت مضى ، بيحيى ... الذي ودعنا ثم توجه نحو المسجد ، لم يلتفت إلى أمي التي حاولت منعه ورجته ، لكنه بدا واثقاً ، لم يقل سوى " نراكم قريباً بإذن الله " .. ثم ذهب .

ترى .. ماذا يفعلون الآن ؟
ربما أمي تطرز ثوبي ، وأبي يدخن غليونه ويسافر في مجرات دخانهِ المنبعثة بكسل ، أما يحيى يتلو الآيات بصوتهِ الجميل ، وجميعهم يفكرون بنا ، قلقون علينا ..آه لو يعلمون فقط أننا بخير ، غير أنّ القلبَ تائه . 

على الطريق صادفتنا شاحنة ، وبعد نقاشٍ طويل مع السائق ، قـَبِل أن يوصلنا إلى الضفة الشرقية مقابل أساور وليرة ذهب .. ركبنا ، وأخذني نومٌ عميق ..

زهرة

... كانت السماء تركضُ في الاتجاهِ الآخر ، وهدير المحرك يضغط على أنفاسي .. غطّ الجميع في نومٍ مثقل ، أما أنا .. فقد حملني قلبي إلى يحيى ، وكان نبضي يتخاطفُ حيناً ، ويتقطع حيناً آخر .. لمَ ذهب إلى المسجد ؟ وكان يدرك أن الجنود سيقتحمونه . لِمَ لمْ يسمع رجاءَ أمي ، لمَ ..
ترى ماذا حلّ بهم الآن ؟ ، عشرات الشباب الذين اختاروا أن يرابطوا في تلك البقعة الطاهرة ، أعرف يا يحيى أنك مستعد لأن تهبَ حياتك فداءً للقدس ، أعلمُ أنّك ستدافع حتى آخر رمقٍ ولن تزعزع قدميكَ قيد أنملة . أعلم أنك ستقف بثباتٍ وصمود وتصميم .. وعندما ذهبتَ ، وغاب عن ناظري وجهك الصبوح ، انتابني شعورٌ غامض – فهل علمتُ أنّك لن تعود ؟ ..

لقد رأيت عندما أغمضت القبة عينيها ، وغطت جبينها الذهبي بوشاحٍ أسود .. لقد رأيتهم وهم يستبيحون ساحتها الطاهرة ، وسمعت دويّ العيارات النارية والانفجارات ... وكان الألم يدوي في قلبي ، ويمزق أوردتي ، وأنا أخشى .. أخشى ، أنّ جسدك الطاهر لن يحتمل هذا الكمّ من الرصاص .
ربما أنت الآن بجوارِ نجمةٍ أو كوكب ، ربما تصاعدت روحك النقية إلى السماواتِ سحابةً بيضاء أو طيراً خفوق . ربما أنت في مكان ما هنا أو هناك .. لكنك حيٌّ حتماً أينما كنت .

سروة

في أحد مخيمات الضفة الشرقية ، يدرك الإنسانُ أن بعضَ الموتِ أرحم . المأسـاة كانت أكبر وأشد من أن نتحملها فرادى ، وكانَ لابدّ من الاستمرارِ معاً ، حتى لا تنفرط حبّات القلب ، وينقطع حبلُ الحياة الرقيق . كان وقع الأمر أشد على مريم الصغيرة ، كانت تفتقدُ أمّـي وأبي ، الدفء والأمان . أصبحَ نومها متقطعاً ، تتخلله كوابيسٌ عن الجنود الذين يقتحمون كلّ شيء ويسرقون الأطفال .. وكانت تلتزم الصمت أثناءَ النهار ، ولا تتناولُ طعاماً أو شراباً سوى رشفاتٍ قليلة من الماء .
أما زهرة فقد انتابتها حمّى شديدة ، بعد يومين من وصولنا للمخيم ، كانت تهذي عن يحيى ، وكيف أنها رأت جسده قد تناثر نوراً ، وتحول إلى فراشات ترفرفُ فوق قبة المسجد .. وكيف أنّ أمّـي كانت تلوح له بشالها الأبيض ، وتدعو الله أن يحفظهُ سالماً ومعافى . وكيفَ أنها رأت أبي يرسمُ لها طريق البيت ، ويدعوها للعودة . وأنها عازمة أن تعودَ في الصّبـاح .. وتلحقَ بيحيى ..
كنتُ أسهر حتى الفجر ، أسمع هذيانها المنهمر كشلالٍ ، أضع القماش المبلل فوقَ قدميها ، واقرأ عند رأسها الأدعية والآيات .
أما خالي ، فقد كان حملهُ ثقيلاً ، كنا ثلاثتنا أرواحاً معلقة في رقبتهِ ، وكان يمضي النهار يبحث عن ما نعتاشُ بهِ . كان يحاول أن يجدَ مخرجاً ما ، أو وضعاً أفضل من خيمتنا الصغيرة ، وكان كل يومٍ يمضي .. يزداد الحال سوءاً ، وقد كنتُ قلقةً عليه .. وعلينا ، خائفة من أن يتداعى هذا الجبلُ أمامَ موجِ الغربة ، فنغرقُ جميعاً ..

بعد مدّة ، سمعنا أخباراً جيدة عن القدس ، وعن أن بعضَ السكان تمكنوا من العودة إلى بيوتهم، لكننا لم نسمعَ أي شيء عن بيت الحاج أبي يحيى كنعان ، لم نسمعَ أية أخبارٍ عن ابنهِ أو زوجتهِ ، لم نعرف ماذا حلّ بمن تبقى في القدس .. كانت هناك آمالاً بالعودة ، وأحاسيسَ أخرى قاتمة ، وموجعة ..
وكان خالي عازماً على أن نعود في أقربِ فرصة ، لأنه لا شفاءَ للقلبِ إلا في أرضهِ .. ولا ارتواءَ للروحِ إلا من ماءِ بلادها . كان حديثهُ عن العودة يطيب نفسَ زهرة ، ويدفعُ مريم للابتسام ، وأصبحت تتحدثُ عن أحلامٍ جميلة ، وبدا أن كوابيسها بدت تغيبُ وتختفي ..
أما أنا ، فقد كانت القدس في قلبي أقربُ من أي شيء .. وكنت أشم رائحة أبي ، وأسمعُ شكوى أمي ، وأتحسسُ جدران البيت في قلبي ، كنتُ أشعرُ في صميمي أننا سنعودُ قريباً ..
بيدَ أنني أشعر أن ثمةَ شيء غائب ، وأن الموجة التي انقضت على حياتنا ، لن تتركَ كل شيء كما كان .. وإن انحسرت .

ذيب عودة

استطعتُ تدبير طريقٍ آمن للعودة ، وعدنا ..
كانت حدّة الحمى في القلبِ تهدأ كلما ظهرت القدس من بعيد ، وتشرق الفرحة على الوجوه الشاحبة ، لقد أعيانا البعد جميعاً .. والآن ، ها هو ذات الطريق الذي عبرناه خائفين وهاربين ، نسلكهُ بثقة وإصرار .. وإن كان موتاً فليكن ، فقد كانت الغربة أدهى وأمرّ ..
عبرنا دروباً وعرة ، وزقاقاً ضيقة ، حتى نصل نحو الممر المؤدي إلى بيت الحاج كنعان ، كنتُ أرى خفقان القلوب المتعبة بريقاً في عيونهن كلما اقتربنا أكثر .. كلما تعرّفت الروح على الرائحة القديمة ، كلما أيقـنّا أننا في المدينة المقدسة ، وفي الاتجاه الصحيح ، هذهِ هي الجدران، هذا هو الطريق .. هذهِ البيوتُ كلها ، موجودة منذ أن فتح القلب جفنيه على هذه المدينة ، كل ما فيها يشيرُ إلينا ، إلى الحياةِ التي كانت هنا ... يوماً .
لكنّ الهواءَ كانت تفوحُ فيهِ رائحةٌ غريبة ، رائحة كالغرباء ...

الحاج أبو يحيى

لم أستطع أن أقول لها في اليومِ الأول ..
كم كان شجاعاً ، كيف أنهم قتلوه ، ثم نكلوا بجسدهِ وسحبوهُ من ساحةِ المسجد حتى باب العامود ، كيفَ أن دماءه الزكية فاحت بالمسك والزعفران ، واختلطت بترابِ الأرض المقدس، وتلونت بحمرتها النقية جدرانُ القدس .
كيف أنني خبأتُ قميصهُ في صندوقي القديم ثم احتضنته طوال الليل ، وكتمتُ نزفَ دمي في شريان القلب ، وأغلقتُ على نفسي الغرفة حتّى أبكيهِ قبل الجميع .
كيفَ أنني تمنيتُ لو أرسلته مع أخواتهِ وخالهِ نحوَ الضفةِ الشرقية ، ثم استغفرتُ ربّي ، عندما أتاني في المنامِ وقال لا تجزع يا أبي ، فقد كنّا رجالاً .
وعندما عـَرَفـَتْ بعد يومين من أحد الجيران ، ابتسمت ولم تصدق ، ثم قضت ليلةً في البكاءِ المرير ، ثم حطمت كل قوارير الزرعِ والأواني الخزفية ، ثم التجأت للصلاة والدعاءِ .. ولم تقل لي شيئاً أيضاً .. ولرُبّما رأتهُ في المنام وأوصاها بأن لا تجزع ، ولـرُبّما .. أخبرها أشياء أخرى ، فقد هدأت ، ورأيتُ علامةَ الرضا في عينيها ..
وبدت الأشياء عادية ، لكنها لم تعد كما كانت .. استوطنَ القدس غرباء ، كثيرون ممن رحلوا لم يعودوا .. ولمْ يعد أحد من السفرِ سالماً . كل قلبٍ حمل خسارتهُ المرّة . غيرَ أني كلما توجهتُ للصلاة ، كنت أشعر خطواتهِ تنبضُ في عروق المكان ، وأن لا دماً يغيض هدراً فوق هذه الأرض ، وكانت القبة ذهبية رغم الأسى .. وكلّ ما فيها يشير إلينا رغم كلّ شيء.

بقلم : a.qarawani
::

 
Arabization 3alymni-b