الثلاثاء، 11 مايو 2010

عبث أم بعث

تذكرت حادثةً قبل ثلاثة عشر عاماً -وقد كنت في مكتبي- حينها ناقشت طالباً كان يومها يدَّعي الماركسية ، تلك الماركسية التي تحرره من قيود الدين والعادات والتقاليد السائدة في مجتمعنا الفلسطيني ولا تلزمه بأي التزام إلا إتباع الهوى فلا رقيب ولا عتيد .
قلت له حينها هل تظن أننا خُلقنا هكذا كما تظن ،أهلُ الشرِّ من اللصوص يسرقون أموال الناس وممتلكاتهم ،والقتلة يفتكون بضحاياهم كما يريدون وأهل الفاحشة يمارسون الخطيئة متى يشاؤون ، الأقوياء يبطشون بالضعفاء والأغنياء منهم يأكلون أموال الناس بالباطل وأصحاب النفوذ يستغلون شعوبهم وينهبون ثروات بلادهم ، أما أهل الخير والصلاح فيكبتون شهواتهم ورغباتهم ويدورون مع الحق حيث دار ،ويصبرون على أذى الآخرين ولسان حالهم يقول كما قال ربهم عنهم :
* وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا *
ثم ماذا ؟ الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ، فالجميع سيموتون ...سيموتون وتموت معهم أفعالهم كما تظنون !! بلا حساب ولا عقاب ولا ثواب . فابتسم الطالب ثم أردفت قائلاً إن كان هذا ظنكم فان هذا قمة العبث الذي لا يمكن أن يكون ، ولا يمكن أن يعقله عاقل .
فنظر إليَّ نظرة الحيران ولم ينبس ببنت شفه ولكنه ابتسم ابتسامة –هذه المرة- تنبع عن سفهٍ ولسان حاله يقول أنت لم تأتِ بشيء جديد ، وكما قال الدهريون قديما وحديثا :
( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )
( الجاثية - 24 ).
واليوم قرأت هذه الآية فتذكرت ذلك الحوار مع الطالب ،فقررت أن أكتبه في ظلال هذه الآيات الكريمة من كتاب الله المجيد :
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ)) المؤمنون:115-116
في هذه الآية يوبخ اللهُ تبارك وتعالى الكافرين لكفرهم بالبعث وبيوم القيامة ،ولظنّهم بأن الله -تعالى عن ذلك علواً كبيرا- خَلقَ البشر للإهمال كما خُلقت الحيوانات والبهائم ولا ثواب ولا عقاب وظننتم أيها الكفار أن لا نشور ولا رجوع ولا حساب بعد الممات . فتعالى الله سبحانه عن أن يكون قد خلق الخلق عبثاً ولعباً فهو الملك الحق (بأفعاله وأقواله) الذي يخضع لملكهِ المطلق كلُّ المخلوقات .
وفي قوله تعالى :
(أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ) (القيامة:36)
أيظن الإنسان أن الله عز وجل خلقه هملاً لا يُؤمر ولا يُنهى ولا يحاسب ولا يعاقب .
كلّا يا ربنا فقد خلقت الثقلين ولم تتركهما دون هداية فأرسلت لهم رسلك الكرام وأنزلت لكل منهم شرعة ومنهاجا لكي يسير عليها أقوامُهم ولا يضلوا الطريق ،ثم ختمتَ الدين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فنسألك يا ربنا الثبات على الحق .

ماهر قرواني

السبت، 8 مايو 2010

لن آكل الثلج



بقلم : A. Qarawani


كنتُ جثة هامدةً ممددة على سريرٍ أبيض، غرفة باردة كالثلج، تغصّ برائحة الدواءِ ولا نوافذ..
كانت أمي جالسةً قربي طوال شهرين، وإن كنتُ فاقدة الوعي أغلب الوقتِ غير أني كنتُ أحلم أنّ أنفاسها تعبر رئتي المعطوبة بدفء، وأسمعُ بكاءها السري، وأحزنُ من عجزي أن أفتح عينيّ أو أمدّ كفي المرهقة، وألمس خدها الناعم ، وأقول لها: «هل تسامحيني؟»..
كنتُ أحاولُ أن أقول لها كلما صحوت، أنني نادمةٌ جداً، وأنني لنْ آكل الثلج المكوم على حافة النافذة وأغصان الشجر بعدَ الآن . لكنّ الجحيم كان يستعرُ داخلَ جسدي، والصدر حارّ ينضحُ بالدّم؛ السّل ينهشُ أنسجة الرئة الصغيرة، والحنجرة بيضاءُ كقطبِ الجليد. لمْ أكنْ جسداً واحداً.. كانت روحي معلقة في السقف، أنظر إلى أمي، وأسمع كلام العابرين، وأنظرُ إليّ.. طفلة ذات خمسِ سنوات هزيلة وزرقاء، وأتساءل: لمَ لا يغطونني والبرد قارس؟..
كلما فتحتُ عينيّ تسرعُ أمّي نحوي، تمسّ جبيني بحذر، تتمتم أشياءَ لا أسمعها ولا أفهمها.. كنتُ أريدها أن تقبل خدي الغائر في وجهي، أن تحضنني كي أتأكد أن جسدي لمْ يتحلل بعد. ويهذي ما تبقى في القلب: أتخشى أن تقترب مني أكثر؟
كنتُ أرحل في فسحةِ اللاوقتِ، اللا إحساس، الذهول، والترقب .. وكان لابد أن أصلَ إلى إحدى الضفتين كي تكفّ الرئة عن الفوران، وتهدأ الأنفاسُ المضمخة بالدم، وأتخلص من رائحة الكيمياء الدائرة في جسدي ..
للسقف طعمُ الغربة. أن تراقبَ نفسكَ من علو، وتطالع خطى الوقت، وحركات الزائرين، أن تكون قربـ «ك» دون أن تكون فيك. أن تراقب المكان، وأنت غير مرئيّ. وببطء تفقد حرارةَ الحياة، ويتجمد اللون الوردي في بتلاتِ الرّوح، ليس الألمُ، ولا التعبُ ما يثقل حبال القلب. إنما هذه الحيرة، بين الرغبة في البقاء، والحاجة للخلاص. كنتُ أتوقُ للرّاحة .. لكنّي كنتُ أتوقُ لنفسي أيضاً، لنكهةِ الصباح، لمرحِ الطفولة، ولملمسِ الأرض.
لم يكن أحدٌ قادراً على أن يعيدني، وبدأت أدركُ أنّ السقف لن يتحملني طويلاً.. وأنني متعبةٌ بما يكفي لكي أذهب. أرخيتُ روحي.. وشعرتُ بتمددِ الهواء، واتساعِ الفضاء وخفة فقاعات الصابون.. فأغمضتُ عيني، وحلقتُ... حلقتُ، حتى شعرتُ بغياب كل شيء، وأنني أتصاعدُ كبخارٍ وأتناثرُ في جوفِ الكون.
كان البرد يتلاشى قليلاً قليلاً، ثم أخذتْ تغمرني حبّات دفء طرية، واختفت رائحة السقف والممرات البيضاء، وشعرت بفسحةٍ خضراء تملأ روحي. حلمتُ بي، حلمتُ بالطفولة، بملمسِ الأرض، بعطرِ البيت، بالأزهار، بالألعاب.. وحلمتُ بأمي..
شعرتُ بخصلاتها الناعمة تهطلُ فوق وجهي، وتحسّستُ بَللَ أنفاسِها في الهواء، تصورت طيفها الحاني.. وانتابني وهجُ الشوق .. ففتحتُ عينيّ..
رأيت الغرفة البيضاء، وأنا طفلة هزيلة ممددة على السرير، وأمي نائمة قربي.



الخميس، 6 مايو 2010

لا رهبانية في الإسلام

الرهبانية هي غلو في تحمل التعبد بسبب شدة الرهب ، وهي طريقة في العبادة لدى النصارى ، فهل لها أصلٌ في دين الله عز وجل ؟


يقول الله تبارك وتعالى في سورة الحديد :


* ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ *


وقد إختلف بعض المفسرين في تفسير قول الله تبارك وتعالى : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)


لكن من الواضح – والله أعلم – أن معنى هذه الآية هو أن الرهبانية لم تفرض على النصارى من الله سبحانه وتعالى ولكن هم إبتدعوها من عند أنفسهم ( ما كتبناها ) أي : ما فرضنا تلك الرهبانية عليهم من ترك التلذذ بالأطعمة وترك تزوج النساء والاعتزال عن الناس ، والتوطن في كهوف الجبال ، وقوله تعالى : (إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ ) استثناء منقطع أي : ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله –وقوله سبحانه ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) ولكنهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وضلوا وبدَّلوا وانحرفوا عن دين الله الذي جاء به عيسى عليه السلام فلم يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما أمرهم الله عز وجل في الإنجيل .


والحديث مفسر للقرآن ، والحديث التالي يؤكد هذا التفسير ،فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن الرهبانية فقال : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : ( لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.


وقال في حديث آخر : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني .




ماهر قرواني

السبت، 1 مايو 2010

القفز على الزمن

من المعروف أن القرآن الكريم لسان عربي مبين وقد تحدى الله عز وجل قريش خاصة لفصاحة لسانها والثقلين عامة ولو اجتمعا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن العظيم ، فالمعجزة اللُغوية لهذا القرآن العظيم واضحة وقد عجزت قريش عن التشكيك بهذا القرآن فذهبت إلى محاولة صرف الناس عن إتباعه بنشر الشائعات عن المصطفى صلى الله عليه وسلم مثل (السحر والمس والكذب وغيرها من الافتراءات التي لم تنَلْ من سمعة محمد صلى الله عليه وسلم ) كما هو حال المجرمين مع رسل الله عز وجل .


واليوم سنقف قليلاً مع ظاهرة بلاغية تدعى القطع (القفز على الزمن) التي تظهر بشكل متكرر في السرد القصصي القرآني وهذه من الصور البلاغية التي تحقق الفائدة المرجوَّة ،ومن الأمثلة على ذلك ،


قول الله تعالى :


* فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * (الشعراء 16-19 )


نلاحظ كيف تم قطع الزمن في هذه الآيات عندما انتقل من خطاب الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام فوراً ا لى مشهد " جواب فرعون لسيدنا موسى عليه السلام " للتركيز على أهميته .


وقوله تبارك وتعالى * وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ* وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ* قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ* قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ* إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * (يس 20-29)


فهذه صورة أخرى من صور القفز عن الزمن في القرآن الكريم ، ففي هذه الآية ذكر ربنا تبارك وتعالى القرية أولاً لبيان حال أهلها الذين كفروا بالله وكذبوا الرسلَ الثلاثة ،أما الرجل المؤمن فقد قدم مسرعاً لنصرة دين الله عز وجل ، وأخذ يُقَدِّمْ مناصحته لنفسه وهو يقصد قومَه فبدأ ببيان الحجج لإقناعهم بترك عبادة الأوثان ، والإيمان بالله ثم بعد أن رأى منهم الإصرار على موقفهم أعلن إيمانه على الملأ برسالة التوحيد مظهراً التحدي لقومه .


ففي النص القرآني (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) تم قطع المشهد الذي فيه أقدم القوم على قتل الرجل المؤمن (وهذا حال المؤمنين مع المجرمين على مرِ الزمان ، فعندما يستنفذ الكفرة جميع الوسائل لردع المؤمنين وصدهم عن دين الله عز وجل يقدموا على قتالهم ).


وقطع هذا المشهد فيه ايجاز حذف ، الفائدة منه بيان عظم الأجر والثواب الذي ناله هذا المؤمن جزاءَ شهادته في سبيل نصرة دين الله تبارك وتعالى ،وهو الجنة التي وُعِد بها المتقون .


ثم أنظر إلى رحمة المؤمن ورأفته بقومه(قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) فهو يتمنى أن يعلم قومُه ما ناله من المغفرة والتكريم بعد قتله(وقد قال بهذا بعض المفسرين) فقد يكون عِلمُهم بهذا الجزاء دافعا لهم إلى الإيمان بالله عز وجل ، ولكن هيهات هيهات ، فأنى لهم ذلك وقد صَمُّوا آذانهم وعميت قلوبهم عما جاءهم من الحق فكان جزاؤهم صيحةً واحدةً أبادتهم عن بِكرةِ أبيهم . 

ماهر قرواني

الاثنين، 26 أبريل 2010

عصا موسى

كثيراً ما نسمع على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي مقولة أني " لن آلو جهداً لحل المشاكل ولكن ليس معي عصا سحرية " وكأن في العبارة إشارة إلى عصا سيدنا موسى عليه السلام .


فهل كان أمر العصا كذلك ؟ بالطبع لا، فالعصا ليست سحرية لأن السحر كفر وافتراء على الله ،إسمع قول الله سبحانه وتعالى على لسان موسى عليه السلام للسحرة :(قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ) - (طه 61)


ولو كانت العصا سحرية فلماذا آمن السحرة على الفور ؟ الشيء المؤكد أن الأمر ليس كذلك فالسحر صناعتهم ،ولكن الأمر أعظم من ذلك فانظر الى قول الله تبارك وتعالى لموسى عليه السلام :( وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى )-(طه69)


وبالمقابل ياتي الجواب من السحرة ، في قوله تعالى :


(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)- (طه70)


"فألقي السحرة سجدا" لما رأوا من العصا الأمر العظيم فوق العادي ، الخارق لما اعتادوه من قوانينهم؛ ففهموا أن العصا ليست سحرية فهي ابتلعت على وجه الحقيقة لا الخيال جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي .


وقد أكد الله سبحانه وتعالى هذه الخاصية للعصا الخارقة للعادة في موضع آخر في كتابه المجيد حين قال : وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لّا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى *(طه77).


وبعد أن تبع فرعون وجنوده موسى وقومه على الطريق الذي انشق بالعصا أراد سيدنا موسى بطبيعته البشرية ( أنت اذا فتحت طريقا تستطيع أن تغلقه وإذا كسرت شيئا تظن أنك تستطيع اصلاحه بلصقه وهكذا ....) أن يضرب البحر بالعصا ليطبقه ويغرق فرعون وجنوده وينجو هو وقومه ، لكن الله تبارك وتعالى الحكيم العليم أراد الأمر بشكل آخر فيقول لموسى عليه السلام : (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) (الدخان24).


فأقول وبالله التوفيق كأن ربنا تبارك وتعالى يريد أن يبين لقوم موسى عليه السلام أن العصا ليست سحرية لكي لا يفتنوا بها ، فالسر لا يكمن في العصا بل في قوة ربِ حاملِ العصا ، يقول الله عز وجل في سورة البقرة :(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)- (البقرة 165)

ماهر قرواني

الخميس، 22 أبريل 2010

وعادت الروح تخفق

بقلم: A. Qarawani


" كان نهاراً مطفأً في قلبي ، أنفاس قلبي مهترئة وثقيلة ، دمي الجاري في عروقي منهك لا يمنح جلدي لونا طبيعيا ً . كنت غريبا ً ، المكان يلفظُني بقسوة ، ويتبرأ مني . لم يعد لك شيء هنا" . هكذا اعتاد أن يشعر .
لم يمض سوى ثلاثة أيام على خروجه ِ من مركز التأهيل ، هناك حيث كانوا يغسلون دمه ويطهرونه من رجسه القديم . لا يتذكر أشياءَ كثيرة حدثت خلال آخر سنوات قضاها ، معظمها في أزقة مظلمة ، وغرف مقيتة ، مع أناس ٍ كثيرين لا يجمعهم سوى إدمانهم . كان يحاول أن يتذكر أول لحظة حدث فيها ذلك . أول لحظة حلق فيها في فلك الوهم . لم يبد ُ الأمر بالغ الخطورة حينها ، كانت لحظة نزع فيها إلى التهور ، وشعر بجرأة وقوة تملآن جسده عندما تناول جرعته الأولى ، لقد تعدّى خطا ً أحمر َ، وتفوق على جبنه من القوانين والمحرمات ، وكان ذلك صاخبا ً ومثيرا ً .
لم يشعر أنّه غطس في وحلٍ عفن ، ولم يدرك أنه غارق إلا في لحظة متأخرة ، تلك التي تشعر فيها باقتراب الموْت . وتصبح كل دروب العودة موصودة بأبواب ضخمة . " لقد أفسدناه يا حسين .. أفسدنا ولدنا بالدلع " ، كانت والدته تردد وتبكي في المستشفى . كان يصحو على صوتها ، قليلا ً . ثم يعود ويغفو بثقل . أحلامه مليئة بصيحات وعويل وروائح قذرة ، أزقة مخيفة ، ووجوه مرعبة ، عيون ناتئة تحدق به من كل صوب . وفي أحد الزوايا النتنة ، يجد حقنة مليئة بسائل الوهم والخداع ، تلمع وتبرق ، تناديه .. تجذبه ُ ... ثم تخترق قلبه حتى آخره وتبث سمها المؤلم . " لقد تمكنت منّي هذه الحقنة حتى الأبد " .
لم يعد يعرف من هو ، لم يعد يشعر بالحياة حوله ، كان ينفصل تدريجيا ً عن هذا العالم . كان يموت من الداخل ، كل شيء جميل وحيّ وشاب ، بدأ بالتعفن والتشوه . لم يكن يفكر سوى بجرعة الغد ، تلك التي تنسيه كل شيء وتحمله إلى طبقات بعيدة ، خارجة عن نطاق جاذبية الأرض. ينتشي للحظات ، ثم يغيب . وعندما يصحو ، يهوي سريعا ً ، نحو حفرة بلا قاع ، وبداخله وحش مسعور من الألم، يمزق كل شيء .
يهرع ُ كالمجنون إلى بيت صديقه ِ "أبو الخير" كما كان يدعوه المدمنون ، لم يكن يبخل على أحد بالجرعات الخيرية ، التي يوزعها على الشباب البائس . " أغثني وحياتك ، سوف أموت " . فيبتسم صديقه " اهدأ يا رجل .. عندي ما تطلب " . فيهديه جرعة ببلاش . ليغيب مرة أخرى ، ويرتاح حتى حين .
كيف وصل إلى هناك ؟ . لم يكن ينقصه شيء في حياته ، لقد عاش حياة كريمة ، وتمتع بنعم ٍ كثيرة منذ صغره . أجل .. لقد كان طفلاً محظوظاً ، تلقى أفضل تعليم .. وحاز على ما يتمناه كل طفل في حياته . لم يكن محروما ً ، أو حزينا ً ، لم يكن معذباً ... كان محاطا ً بالأشياء الثمينة ، والكثيرة . محاطا ً بالحفلات والأعياد والأصدقاء . وبالأهل الطيبين ، الذين سهروا لأجله . كيف اختفى كل ذلك فجأة من حياته ، ولم يعد يشعر سوى بالحقد والكره والغربة ، وبلعنة تسري في جسده ... ؟
لم يعد له أصدقاء ، تخلى عنه الجميع ... ولم يعد بإمكانه أن يلجأ إلى أحد سوى " أبو الخير " ، الذي يستقبله برحابة وبشاشة ، " أنا أفهمك يا رجل ، أنا أعرف ما تشعر به ، لا أحد يهتم بك ، لا أحد يدرك ما يعتريك ، لكن أنا عندي راحة البال ... خذ هذه الحقنة هدية مني ، صغيرة لا تخيف ، تنسى وتهدأ " . وكانت الهدايا تكثر وتكبر يوما ً بعد يوم ... ويزداد تأثيرها وسحرها ، كانت تفعل أشياء عجيبة ، تأخذه بعيدا ً وعاليا ً، هناك حيث تفقد الأشياء قيمتها .
تغيرت ملامح جسده وتصرفاته ، أصبح شخصا ً مختلفاً ، كريها ومرعبا ً . أوعيته الدموية نافرة تحت جلده الأصفر ، عيناه جاحظتان يملؤهما الدم . والدته تردد " أنت لا تأكل كثيرا ً يا ولدي .. انظر ما حل بك ، كل ْ .. كلْ أكثر " . والده لا يكترث كثيرا ً بحالته الصحية ، يقول لوالدته " ابنك هذا يتعاطى شيئاً " ، ثم يدخل وينام .
أما هو ... فلم يعد يعي ما يقال أو يحدث ، ولم تكن له سوى وجهة واحدة ، " أبو الخير" ...
" أنت يا أبو الخير، أنت منقذي وصديقي ، لم يساعدني أحد بقدرك ، لم يهتم بي أحد مثلك من قبل ، أعطني جرعة .. فأنا متعب " . فيبتسم أبو الخير ، ابتسامة جديدة هذه المرة " أجل يا صديق ، سأعطيك هدية .. لكنها آخر مرّة ، والمرة القادمة ، سآخذ منك مبلغا ً بسيطا ً مقابل كل جرعة ، تعلم الأوضاع صعبة ، والعيال بدها أكل " .
وهكذا ... اختفت عطايا أبو الخير وبركاته ، وأصبح هو أيضا ً شخصا آخر . وكانت الجرعات تزداد ثمنها يوما ً بعد يوم ..
المال الذي يحصل عليه من والده ، غير كاف .. كان لابد من أن يسرق بالخفاء . أن يأخذ كل ما يجده ، أن يبيع أغراضه ، وكل ما يتمكن بيعه من متاع البيت . كان يمضي أيامه وهو يحاول أن يوفر ثمن جرعة ، غير آبه ٍ ولا مكترث لما يحدث حوله . " هذه المرة فقط يا أبو الخير ، خذ نصف الثمن ، أنت تعلم أنني بحاجة إليها .. سأموت إن لم أحصل على هذه الحقنة " . فصاح به صديقه القديم " هذه المرة فقط ، والمرة القادمة سيكون ثمن جرعتك مضاعفا ً ، وإن لم تملك المال فلا تعد إلى هنا مرة أخرى " .
كانت شياطين الجحيم تشرب روحه ، وتمتصها بلؤم .. جال في شوارع المدينة غائبا ً وضائعا ً ، نام في أزقتها المظلمة ، وغرفها المشبوهة ، تعرف على تلك الطبقة المختئبة في احشاء العتمة والظلمات . كان عالما ً مجنونا ً ، وبشعا ً .. ذلك العالم السفلي . لكنه قد فقد نفسه تماما ً ، ولم يعد يذكر طريق العودة إلى بيته .ورأى العالم الذي تشرق فيه الشمس بعيدا ً ونائيا ً ، لا مكان فيه لأمثاله .
حاول أن يحصل على جرعاته بكل الطرق ، والأعمال المشبوهة ، لا يذكر كل ما قام به من أجل أن يقدم قربان لذلك الوحش الذي تملك جسده . مارس كل طقوس العالم المظلم . ولم تكن فيه خلية واحدة ناجية من جنون إدمانه . وكل مرة يعود إلى أبي الخير ، ذليلا وخاضعا ً ، راجيا أن لا يزيد ثمن الجرعات ويكتفي بما يأخذه منه .
لكنْ أبو الخير ، كان يعرف تماما ً ، كيف ينتشر اللهيب في جسد الشاب ، وكيف تجتاحه الطعنات ، وأن الألم الذي يزلزل أجزاءه لا يمكن أن يتوقف إلا بهذه الجرعة ، وأن هذا الشاب سيدفع ثمنها ولو دما وروحا ً . وبهذا كان يكسب رزقه من مئات الشباب الضائعين ، الذين ابتلعهم وحل الإدمان . " أنت تعرف يا صديقي أن الأوضاع صعبة ، ولا أستطيع أن أبيعك الجرعة بهذا المبلغ الصغير بعد الآن ، أنا أتعب في عملي ، وأنت تعرف الخطر الذي أواجهه لأوفر لك هذه الحقنات " .
- لكنني أحتاجها ... أنا أتمزق
- هذه مشكلتك . وليست مشكلتي ..
أين اختفت الأضواء ؟ من الذي سرق الهواء النظيف ؟ والماء الزلال ؟ والبيوت المبتسمة والشبابيك المليئة بالأحلام ؟ ... كان وحيدا ً ، وصغيرا ً أمام قوة ضخمة تصر على إتلاف كل ما تبقى منه ومن حياته . وقف هناك أمام أبي الخير ، الألم يحرق أطرافه ، ويمزق أعضاءه ، لم يتبق له أي شيء الآن .. كان بلا هوية ، لم يكن يذكر اسمه ، لم يعد يعرف الطريق إلى بيته ... لم يكن حيا ً ولا ميتا ً ، ولم تكن له رغبات سوى رغبة واحدة ، أن يحصل على الحقنة . لكن أبو الخير لن يمنحه واحدة اليوم.
اجتاحته موجة إنكسار ، وشعر أنه ضئيل وصغير ، في بطن عالم متوحش سلبه الحياة والإنسانية . لم يعد له أيّ شيء في هذا المكان ، لم يعد يشعر بأن بداخله روحا ً تخفق . لم يعد في صدره سوى فراغا موحشا وأسود ، كان جثة محشوة بالبؤس ، وبشظايا حياته المدمرة ، أنفاسه لزجة ، حلقه تستوطنه الطحالب والعوالق المميتة ، تمتص كل ذرة نظيفة تحاول أن تدخل لصدره أو تمنحه بعض الأمل .
نظر إلى شارع طويل ، لم يكن له نهاية .. كان يبدو مثل بئر سحيق يمتد حتى الظلمات المنسية ، بلا قرار . من دخل هذا الشارع فهو ملعون ، ضائع .. مفقود حتى آخر رمق فيه . سار بلا وجهة .. سار طويلا ً وعبر الأزقة والحارات ، كان غارقا في وحله حتى العمق . كان يشعر بالنهاية القاسية تتصاعد إلى رأسه ، لقد بدأت أجزاؤه بالتساقط .. واحدة تلو الأخرى ، وهو يسير ... ولا يرى ، ولا يفكر ، لقد ترك مصيره النهائي للعتمة العمياء .
" سأودع هذا العالم ، سأختار العدم الذي لن يذكرني ، والذي يغيبني حتى الأبد ، لقد متّ منذ وقت طويل ... لكنني لم أدرك هذا سوى الآن ، وفي هذا العالم ، أنا لست سوى جرثومة تتغذى على فضلاته ، وتلحق الأذى بالأشياء الجميلة " . لقد بدت لحظة النهاية جلية في عقله ، وشعر أنه توصل لأول مرة منذ فترة طويلة إلى قرار سليم وحقيقي .. سينهي حياته ، سيحرر الآخرين من وجوده المؤذي ، سيحرر نفسه من الألم الفظيع ، ولن يكون بحاجة أي أحد بعد الآن .. سيخرج من بطن هذا الوحش ، ولن يكون هناك المزيد من أمثال أبي الخير يستعبدونه ويستغلونه .
كانت فكرة لامعة ، شعر بقوة مخيفة تناديه نحو الموت .. ركض بجنون ، نحو جسر المدينة ، ركض وركض وركض .. وشعر أنه سعيد كما لم يكن أبدا خلال فترة طويلة ، كان يقرر ... لقد قرر أخيرا ً أن يكون حرّا ً ، وأنه لن يحتاج أية حقن بعد اليوم ...
وقف على حافة الجسر ، كان ينظر للعالم مرة أخيرة . الأشجارُ ، الأضواءُ ، السياراتُ ، الناس الطيبون ، الروائح الزكية ، ضحكات طاهرة .. كلها أشياء بدت مختلفة وجميلة ، أشياء لم يرها سابقا ً . كان ينظر للحياة ، شعر أنها تحاول أن تقول شيئا ما .. لكنه لم يكن يفهمها ، لم يكن يسمعها .. شعر بحزن ثقيل ، ثقيل ... يجذبه نحو القاع ، يجذبه بقوة . كان طائرا صغيرا وجريحا ً في سماء واسعة .. لمعت في عينيه دمعة دافئة ... نزلت على خده الغائر ، تذكر لمسة أمه التي مسحت هذه الدمعة كثيرا ً . الآن يتذكر .. ويعرف ، لكنها لحظة الموْت التي لا يستطيع الفكاك منها . شعر أنه يتباطأ ... وأن الحياة تحايله مجددا ً ، لابد من إنهاء الأمر سريعا ً . " هذا العالم ليس لي .. " . أغمض عينيه ، ثم قفز .
لكنه لم يمت ْ يومها . استيقظ على صوت أمه ِ ، في المستشفى ... ولم يصدق ، أو لم يفهم .. إصرارَ الحياة على أن تبقيه هنا . شعر بالكآبة واليأس . لم ينجح في أي شيء حتى في محاولته لأن يموت ! . العالم بالنسبة له مكان مخيف ، لا يريد أن يبقى فيه ، كان يحلم بالكوابيس والحقن وأبي الخير والأزقة التي تشبه القبور . وكان يبكي بحرقة وينتفض من الألم والخوف ، كلما تذكر حياته القديمة .
لكنّ الأمل والحلم ، يتسللان إلى أي قلبٍ عرف طعم الحياة . كانت الأيام الطويلة التي قضاها في العلاج قاسية وشاقة ، لكنه شعر بالأمان ،والإنتماء هناك ، حيث كان محاطا بالعناية والإهتمام . كان كل ما حوله يكتسب لونا ً ومعنى ، كان مكانا نظيفا ً وهادئاً ، ومليئا ً بالناس اللطفاء . وبدأ قلبه يستعيد اللون الوردي ، وبدأت روحه تتحرك في أجزائه . لقد كان يتألم أحيانا ً ، ويكتئب أحيانا ً أخرى .. لكنه كان يبتسم أيضاَ ، ويتذكر ويتعرف على أشياء جديدة . شعر بأنه حيّ ... وكان لهذا الإدراك أثرا ً عميقا ً في نفسه .
تعبره الذكريات ، الآن هو شخص آخر . شخص جديد ، ذاته صفحة بيضاء ، عليه أن يملأها ويسد فراغاتها ، عليه أن يجد هويته ، وعليه أن يجد مكانا ً واضحا ً ونظيفا ً ويلتصق فيه بقوة ٍ وإرادة . عندما خرج من المستشفى .. شعر بالكأبة والخوف حينما واجه العالم الكبير . عندما شاهد الملامح القديمة ، الذي تذكره بأشياء كثيرة لا يرغبها . كان في داخله مرعوبا ً وضعيفا ً . ولم يكن هذا العالم الواسع آمنا ً بالنسبة له . لذلك قرر والداه أن ينتقلا بعيدا ً إلى بلد ٍ آخر ، صغير وهادىء .. حيث يمكن له أن يستعيد عافية روحه ، ويكبر الإنسان فيه قويا ً وصالحا ً ، حيث يمكن أن يغذي بذرة صالحة في قلبه ِ .قلبه ُ الذي انطفأ فيه النهار ذات يوم ، لكنه الآن عاد وأشرق ..

الأربعاء، 21 أبريل 2010

معية الله في الآيتين


مَعِيَّةُ الله في الآيتين



في قوله تعالى : ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61 ) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)) (الشعراء)


وقوله سبحانه : ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ) (40 التوبة )


قرأت موضوعاً لأحد الأخوة على الشبكة العالمية تناول هذا الموضوع فجال في خاطري أنه لم يوضح المشهدين كما يجب ، فارتأيت أن أتناول هذا الموضوع من وجهة نظري مستعينا بكتاب الجامع لأسماء الله الحسنى للأمامين بن القيم والقرطبي وكذلك كتاب التفسير فتح القدير للشوكاني فأقول وبالله التوفيق : إن قول أصحاب نبي الله موسى عليه السلام :(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ، كأنهم أرادوا أن يقولوا له قدتنا الى الهلاك الحتمي بإخراجك إيانا من مصر ، فجاء الزجر والردع لهم بأداة الزجركلا ففي قوله سبحانه على لسان موسى عليه السلام (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) سيدنا موسى عليه السلام أراد أن يذكرهم أنه يخرجهم من مصر ويقودهم الى الأرض المقدسة ليس بأمره بل بأمر من الرب تبارك وتعالى فاستخدم اسم الله عز وجل " الرب " الذي يعني المالك المتصرف في ملكه والسيد المطاع والمربي الذي يسوس مربوبه كيفما وكما شاء ، وحسب فهمي للموقف ولأن الترائي قد حصل (بخلاف المشهد في غار ثور) أي أن موسى عليه السلام وقومه قد رأوا جيوش فرعون المهولة وبالمقابل فأن فرعون وجنوده قد رأوا موسى وقومه فعلم يقيناً النبي موسى أن النصر من الله تعالى قد حان أوانه فساعة الحسم قد دقت ، وأن الله تبارك وتعالى سيرشده ويهديه الى طريق النجاة وقد كان كذلك .


أما قوله تعالى على لسان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (إن الله معنا) يعني أن الله سبحانه وتعالى معه وصاحبه بسمعه وبصره وقدرته وعونه وتأييده ، فلفظ الجلالة " الله " تضاف اليه الأسماء الحسنى
فنقول أن الرحيم والعزيز والقدير والعليم والغفار والقهار والباسط والقابض من أسماء الله ، ولا يقال الله من أسماء الرحمن، قال الله تعالى (وَلله الأَسْمَاء الْحُسْنَى ) (الاعراف180)


وهنا أتفق مع الأخ الذي ذكرت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد بـ (إن الله معنا) أن يطمئن أبا بكر رضي الله عنه لأن أبا بكر كان ايمانه بالله عميقاً ويعرف الله تعالى (الذي تضاف إليه كل الأسماء الحسنى) حق المعرفة ولكن هنا أود أن أشير الى حقيقة أن أبا بكر كان يطمع أن يكون صاحبا للرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة ،فلا يمكن أن يستقيم المعنى أن يعترض أبو بكر على الرسول ويلومه لاصطحابه كما فعل أصحاب موسى عليه السلام ،وهذا أيضا وجه اختلاف بين المشهدين .
وهنا علينا أن ننتبه أنه لا يجوز أن ننتقص من قدر أصحاب موسى عليه السلام  كما فعل ألأخ المذكور، ففي الحديث أن كل نبي له حواريون أو أصحاب ساروا على دربه ، وموسى عليه السلام ليس استثناءً، فثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.


اذن لا يجوز الإنتقاص من أصحاب موسى عليه السلام. فالذي نعرفه أن كفة إيمان أبي بكر ترجح كفة إيمان الأمة ولكن هل هذا ينقص من قدر إيمان عمر  أو علي أو عثمان رضي الله عنهم جميعاً ؟ لا  قطعا ً.

ماهر قرواني 

 
Arabization 3alymni-b