الجمعة، 7 يناير 2011

تلاشي



"عندما تثاءب العالم هذا الصباح وفتح فمه الضخم ، فاحت رائحة نتنة من أعماقه وكدت أختنق، لكنّي فتحت نافذتي وقفزت إلى عالم آخر.. سأكون بخير". كان هذا كلّ ما كتبته على ورقة صغيرة، غرفتها لا تزال كما هي.. مرتبة ترتيباً مدروساً ونمطياً. كانت تكره النمط والروتين، لكنها كانت تحب أن تبقى غرفتها مرتبة بنمط معين لا يتقنه أحد سواها، وقد تركت الغرفة على شكلها المعهود منذ أن قفزت إلى عالم آخر من نافذتها التي لا أثر لها الآن، فتركت على الجدار مستطيلا كبيرا غير مدهون، كان يشكل في السابق محلّ النافذة التي اختفت. إنها السنة الثانية تمر اليوم.. وكل شيء لا يزال متروكاً محله، آملاً في أن تعود مع نافذتها .. يوماً ما.
التفاصيل الصغيرة التي لا تكفّ عن الثرثرة بقيت مخلصة لها، ولطابعها المميز في إضفاء صبغة من الحياة على كل شيء. آمنت منذ صغرها بأن كل الأشياء ترى وتحس، كان ذلك يبعث الفكاهة ويجعلها طفلة طريفة.. لكنه فيما بعد أصبح باعثاً لسخرية الغرباء وهاجسًا مقلقاً لمحبيها، كلما تقدمت في العمر. فالأشياء كما نعلم جميعا – ليست كل الأشياء – لا ترى، ولا تحس.
لكن لا أحد كان قادراً على إقناعها بذلك، حاولت أن أسألها مرّة كيف بدأت تحس بأن الأشياء كلها تحيا، ورجوتها أن تتذكر.. فروت لي كيف أنها ذات مرّة حملت سكيناً صغيرة، وبدأت تحفر أحرف اسمها على جذع شجرة مخلوعة، فلاحظت سائلاً يندلق من الشجرة، وعندما سألت جدها عن ذلك قال لها أن الشجرة تبكي لأنها تجرحها بالسكين.. ثم روت لي قصة أخرى عن برتقالتين ملتصقتين إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، وكيف أن جدتها أخبرتها أن الكبيرة والدة البرتقالة الصغيرة، وعندها رفضت أن تأكل البرتقالة، لا.. بل لم تأكل برتقالاً منذ ذلك الحين.
التفاصيل الصغيرة هي البدايات التي لا نستطيع تحديدها، التفاصيل الصغيرة عندما تتناسج فيما بينها وتشكل الحلقة الأولى التي لا نتوقع عنها شيئاً، ولا نذكر عنها أي شيء.. كيف بدأ كل شيء؟ لا أحد يعلم. حتى هي ربما.. تظن أنها جرحت شجرة، ثم قضت عمرها فيما بعد تعاني من عقدة الذنب. لكنه ليس كذلك، لقد راقبتها منذ نعومة أظفارها، لم تكن سمعت بعد أن الأشجار تبكي، ولم تكن تميز بين البرتقال أو أنواع الفواكه الأخرى، لكنها كانت تحضن كلّ شيء تحبه، وكانت كلما خرجنا في نزهة تعانق جذع الصفصافة الضخمة النابتة عند منعطف الشارع، كان عمرها ثلاث سنوات، وهي لا تذكر عن هذه الحادثة أي شيء.. فأين كانت البداية الحقيقية لتلك الفكرة التي جعلتها تتيقن من أن الأشياء حولنا ليست مجرد جمادات، إنما هي أشياء جميلة ولها روح. حتى المكان نفسه له روح في نظرها، البيوت لها روح، المدن لها أرواحها المميزة، التي تجعلنا نتآلف مع المدن التي تشبهنا دون أن ندرك تماماَ كيف أو لمَ هذه المدن بالذات، وتجعلنا نأنس ببيوت دون سواها ولا نستطيع أن نشرح بالكلمات لم يحدث هذا.. وهل بإمكاننا أن نقتنع بأن للمكان روح؟ بالنسبة لي لم تكن إلا مسألة أذواق ونظرة شخصية في الجمال. أما بالنسبة لها فلم تكن تبحث في الحياة سوى عن الرّوح التي تشعر بها دون أن تحتاج إلى رؤيتها، وكانت دائما تتوفق في إختيارها للأشياء بشكل غريب، وكانت كل ما تختاره يليق بها، كما لو أنه يتفق في اختيارها أيضاً، كما لو أن لهما روح واحدة . من المضحك أنها كانت تختار كتبها بنفس الطريقة، كانت مولعة بالكتب، وولعها كان أكثر من مجرد قراءة، لقد كان علاقة روحية أيضاً.. فعندما تدخل إلى مكتبة، كانت تنظر إلى الكتب ثم بطريقة غريبة تنتقي الكتب عشوائياً، وتخرج سعيدة جداً، وعندما كنت اسألها كيف كانت تنتقي كتبها، كانت تقول لي ببساطة: نحن نختار بعضنا، الكتاب الذي أرتاح له أقرأه. كانت طريقة طفولية في القراءة، لم أعتقد أنها ستفضي إلى معرفة حقيقية، أو ثقافة مدروسة من شأنها أن تبني شخصية قوية ومنطق علمي. لكنها لم تكن تهتم إلا أن تشعر بذلك الإحساس.. وأن يستمر داخلها، ويعيش ذلك الطفل الصغير الذي يرى العالم بعيون أخرى.. ولا يفهم كلمات على شاكلة ثقافة ومعرفة وشخصية قوية، لم يكن هذا كله مألوفاً أو حتى مهماً، العالم ليس لما نعتقد، هذا كلّ ما أرادت مني أن أؤمن به، العالم أوسع من قدرتنا على تعريفه أو ووصفه.. لقد تركنا أنفسنا تنصاع إلى اعتقادات غيرنا، وتخلينا عن قدرتنا الشخصية في فهم الحياة، وحقنا الشخصي في الرؤية، ولم نعد قادرين على أن نحلم.. لذلك نفنى بسرعة، قبل أن تتوقف أجسادنا عن الحركة بعقود، نكون قد توقفنا عن الحياة، وتحولنا إلى روبوتات ليس لها روح مميزة، حتى الأحجار المترامية في الجبال تحمل ذاكرة أقوى منها، وتبقى أكثر إخلاصاً لذاتها، وعندما ندخل إلى بيت نلمس دفء حجارته أو غربتها وبرودتها..كانت تريدني أن لا أكف عن الحلم وأن أبحث عن الرّوح أيضاً لأنها تحب أن تشاركني ذلك الإحساس الحميم في إدراك الفرح أو الحزن، أو التقرب من أعماقنا المخبأة والتي تشبه النجم المفقود، "كوني شمس نفسك"..
والآن وكل شيء مطفأ ومظلم، أعلم أن ما نقبله اليوم كمسلمات وحقائق، كان أحلام من سبقونا في الماضي، وكان خيالاً جميلاً.. لكنه لم يتحقق بتلك الصورة. شيء ما حدث وغير طبيعة الحياة التي لم تعد تتنفس، وتعفنت في جوف هذا العالم.. لكننا لم نلاحظ مطلقاً. لم نلاحظ سوى ملاحظتها الصغيرة، والنافذة التي اختفت فجأة. والتفاصيل الصغيرة التي تركتها، التفاصيل التي قضت عمراً طويلاً في تكوينها، غادرتها فجأة.. ورحلت إلى عالمها اللامرئي، وليس هناك أشد قسوة من أن لا يراك أحد، وأن لا تكون قادراً على رؤية نفسك، وهي بالأخص.. لذلك، أعتقد أن ما حدث هنا شيء رهيب، شيء ما حدث لم يكن من الممكن احتماله، شيء دفعها إلى أن تترك كل أحلامها وتختفي في الرّيح والصمت والظلّ... بلا تفاصيل.

الخميس، 30 ديسمبر 2010

لا تكن من هؤلاء




تطرقت إلى ضرب الأمثال في القرآن في موضوع سابق تعلق بتشبيه المسيح عليه السلام بآدم عليه السلام،واليوم سأتناول الصورة في هذه الآية، قال الله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (5، الجمعة).

من حكمِ ضَرْبِ هذا المثل القرآني التقريع والتوبيخ ، إذ إن هذا التشبيه يجعل المرء يتدبر قول الله تعالى مع تخيل صورة حمارٍ يحمل كتباً لا يفقه منها شيئاً،فلا يعمل بما فيها ولا يستفيد منها،وكذلك اليهود فقد أنزل الله عز وجلّ لهم التوراة ليحكموا بها ويديروا شئون حياتهم وفق ما جاء فيها من أحكام شرعية، فلم يفعلوا ذلك وتنكروا لدين الله تبارك وتعالى واتخذوه وراء ظهورهم، فقتلوا فريقاً من الأنبياء وكذبوا فريقاً آخر، فاستحقّوا هذا التشبيه.

وقد يظنّ ظانٌّ أن هذه الآية خاصةٌ باليهود، ولكن مراد هذه الآية-والله أعلم-بيانُ الصورة القبيحة لمن يَتَنكر لدين الله عز وجل، ولحثِّ المسلمين على التمسك بدين الله وكتابه المجيد والعمل وفقَ أحكامه، وعدم التشبه باليهود بترك العمل به، فإن فعلوا فعلَ اليهود كانوا مثلَهم في استحقاقهم لأن يكونوا كالمشبه به (الحمار) في الآية الكريمة.

وفي المرة القادمة إن شاءَ اللهُ تَعالى سأكونُ معكم في مثلٍ قرآنيّ آخَر .

الأحد، 26 ديسمبر 2010

عمـَى القلوب


    قبل شهر كنت مسافراً إلى رام الله فاستمعت إلى درس لأحد الشيوخ على إحدى الإذاعات المحلية حول آية من كتاب الله المجيد:  " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ " ولا أدري لماذا أوقعت هذه الآية في نفسي أثراً بالغاً فلعلّها ذكَّرتني بأن الظلمَ قد حرّمه اللهُ عزَّ وجَلّ على عباده فقال في الحديث القدسيّ " يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " أو لأنها آيةُ تعزيةٍ ومواساةٍ لكل من وقع عليه ظلمٌ ،وآيةُ تهديدٍ ووعيدٍ لكل ظالمٍ أبى إلا أن يستكبر في الأرض بغير الحق.
والسؤال ما الذي بدا من الله عز وجل حتى ظنّ بعضُ الناس أو كثيرٌ منهم أن الله غافلٌ (حاشاه سبحانه)عما يعمل الظالمون؟
إنّ من صفات الله تبارك وتعالى " الحليم"، والله عز وجلّ له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم، فإن الذنوب تقتضي تَرَتٌّبَ آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم. كما قال الله تعالى : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45 فاطر). (الجامع لأسماء الله الحسنى (ابن القيم-القرطبي))
ولكن عندما يصيب المرءَ داءُ الغرور والكبر تعمى القلوبُ التي في الصدور فيظنُّ الظالمُ أنَّه يتصرف بالأمور كما يشاء دون حسيب أو رقيب، ويغترّ بقوته وتسلطه على العباد وإيذائه للناس، وينسى قول الله عز وجلّ " وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ " (الأعراف 182) .
وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: {وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} رواه البخاري ومسلم.
وقال عمر رضي الله عنه: «واتقِ دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة».
وقيل: إن الظلم ثلاثة: فظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم مغفور لا يُطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، نعوذ وإياكم بالله تعالى من أن نشرك به شيئا، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (سورة النساء:48)، وأما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعضهم بعضًا، وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب، فظلم العبد نفسه.

قال أبو العتاهية:
أمــا والله إن الظلـم لـؤم وما زال المسيئ هو الظلوم
إلى ديـان يـوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصـوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا غـداً عند الإله من الملـوم

ماهر قرواني

الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

الغضب من الشيطان



قال الله تبارك وتعالى في سورة القصص :

( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ )
جاء في فتح القدير للشوكاني رحمه الله تعالى في معرض تفسيره لقوله تعالى( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) أي دخل موسى المدينة مستخفياً قيل : لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون وفشا ذلك منه ، فأخافوه فخافهم ، فكان لا يدخل المدينة إلا مستخفيا) . فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ) أي : ممن شايعه على دينه ، وهم بنو إسرائيل ( وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ )أي : من المعادين له على دينه وهم قوم فرعون (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ) أي : طلب منه أن ينصره ويعينه على خصمه (عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ )  أغاثه لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل .
  قيل : أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا لمطبخ فرعون فأبى عليه واستغاث بموسى( فَوَكَزَهُ مُوسَى )الوكز الضرب بجمع الكف ، وهكذا اللكز واللهز . وقيل : اللكز على اللحى ، والوكز على القلب . وقيل : ضربه بعصاه .
ثم يتابع الشوكاني (فَقَضَى عَلَيْهِ) أي قتله . قيل : لم يقصد موسى قتل القبطي ، وإنما قصد دفعه فأتى ذلك على نفسه ، ولهذا (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل ؛ لأنه لم يكن إذ ذاك مأمورا بقتل الكفار .
وقيل : إن تلك الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأمونا عندهم ، فلم يكن له أن يغتالهم .
ثم وصف الشيطان بقوله :(إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) أي : عدو للإنسان يسعى في إضلاله ، ظاهر العداوة والإضلال.
وفي تفسير البغوي جاء  في شرحه لقوله تعالى (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، والاستغاثة : طلب الغوث  فغضب موسى واشتد غضبه ; لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم.
وهنا أودّ أن أقول بخصوص قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)
كأن موسى عليه السلام يريد أن يشير إلى حقيقة أن الغضب من الشيطان فهو تسبب بقتل نفس لم يؤمر بقتلها  .
ويصدق هذا الاستنتاج قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : ( إن الغضب من الشيطان، خُلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) رواه أبو داود.

وعن سلمان ابن صرد  قال: ( إستب رجلان عند النبي  فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، قال رسول الله  : ( إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. ) [رواه مسلم].

ثم طلب سيدنا موسى عليه السلام من الله - سبحانه - أن يغفر له ما وقع منه .
(قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر وموسى - عليه السلام - ما زال نادما على ذلك خائفا من العقوبة بسببه : حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول : إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها ، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح .

الاثنين، 11 أكتوبر 2010

حُجَجٌ بلا علّة


قرأت البارحة هذه الآيات من سورة الزمر فوقفت عند الحجج التي يتعلل بها الكافرون يوم القيامة ويبررون بها كفرهم بالله الواحد الأحد.والحقيقة أن الذي استوقفني عند قراءة هذه الآيات هو حرف العطف " أو" في الآيتين 57 ،58 .
يقول الله تبارك وتعالى :

وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ *
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتىٰ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ  . (الزمر  54-59)

  فالحرف " أو " حرف عطف يفيد التخيير والتحيير( أو الابهام) والشك والتقسيم وللإضراب  ويفيد الأباحة والإستثناء، ولكن هنا يفيد التقسيم ، أي تقسيم الكفار من حيث حججهم يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف ،فالسياق يدل على هذا المعنى للحرف .
فأنا أعرف  أن الله سبحانه وتعالى  يعلم قطعاً  ما سيقوله الكفار يوم القيامة من ذرائع وحجج واهية بالتحديد ، ولكن ذكر هنا ثلاثة أصناف لأقوال الكفار، فما الحكمة من ذلك ؟

أقول والله تعالى أحكم وأعلم أن هذه أقوال ثلاث أصناف من الكافرين فالصنف الأول يقول  "أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتىٰ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "

والثاني منهم يقول  " أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  "

والصنف الأخير يقول " أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ "

ولكي يحذر الله تعالى الكافر من هذه الذرائع التي يتعلل بإحداها أو بجميعها ، ولبيان أن حجج الكفار واهية وكاذبة وأنها في أصلها تجتمع على علة واحدة مشتركة بينها وهي تكذيب الرسل والاستكبار عن إتباعهم، جاء الرد من الله سبحانه وتعالى على أقوالهم جميعها  بقول واحد فاصل  "  بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ  "   .

                                        والله تعالى أعلم وأحكم

الجمعة، 20 أغسطس 2010

إعرف ذنوبك من عثراتك



مَنْ منّا أيها الأخوة لا يتعثر في حياته اليومية في أمر ما ، مَنْ منّا لا تتعثر سيارته أثناء ذهابه إلى مكان ما ، كثير من الناس تحدث معهم هذه الأمور ولكن من منّا عزا هذه العثرات إلى ذنوبه ...من منّا وقف مع نفسه عند عثراته وقال إن هذا الأمر حدث لي اليوم لأني فعلت كذا وقلت كذا .
تخيلوا –إخواني- لو كلٌ منّا عزا عثراته إلى المعاصي والذنوب التي يقوم بها مهما صغرت، لو كان الأمر كذلك لفررنا إلى الله سبحانه وتعالى طائعين منيبين توابين ولصلح حالنا واستقام أمرنا، ومن منّا لا يذنب حتى يكون في  مأمن من العثرات والمصائب ،عافانا وإياكم الله تعالى .
قال الله تعالى : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ).

وهنا أريد أن أقول  ، كثيراً ما نقرأ هذه الآيات من الذكر الحكيم ولكن قليلاً ما نقف عندها  مستحضرين لمعناها الصحيح :

(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ( 78 النساء) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ( 79 النساء))

يقول الإمام الشوكاني رحمه الله في معرض تفسيره لقوله (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) أي إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى وإن تصبهم بلية ونقمة نسبوها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فردّ الله تعالى ذلك عليهم بقوله (قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ) ليس كما تزعمون ، ثم نسبهم إلى الجهل وعدم الفهم فقال :( فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) أي ما بالهم هكذا ، وقوله :( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ)
هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضاً لأمته : أي ما أصابك من خصب ورخاء وصحة وسلامة فمن الله بفضله ورحمته ، وما أصابك من جهد وبلاء وشدة فمن نفسك بذنب أتيته فعوقبت عليه .

يقول الإمام بن القيم رحمه الله في كتابه شفاء العليل بخصوص قوله (قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ) ولم يقل : من الله لما جمع بين الحسنات والسيئات . والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه ، والسيئة إنما تضاف اليه قضاء وقدراً وخلقاً ، وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة .وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة ، بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف الى النفس (من جهة ) كونها سيئة .

ولرفع وهم من توهّم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلاً فقال : (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ) . ولم يقل من عندك ،لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها ، والجميع من عند الله  فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب ، والحسنة من الله بلا ريب ، وكلاهما من عنده سبحانه قضاءً وقدراً وخلقاً ففرّق بين ما من الله وبين ما من عنده . والشر لا يضاف الى الله إرادةً ولا محبةً ولا فعلاً ولا وصفاً ولا اسماً .

وخلاصة القول ، إذا كانت المصائب والعثرات تحلّ بالإنسان بسبب ذنب قد اقترفه أو إثم قد فعله فحريّ به أن يتعرف على ذنوبه لاجتنابها ما استطاع الى ذلك سبيلا.


ماهر قرواني
::

السبت، 10 يوليو 2010

وقل ربي زدني علما

جاء في الخبر أن موسى  عليه السلام ظن أنه أعلمُ أهل الأرض في زمانه فأراد ربُّنا تبارك وتعالى أن يعلمه أن العلم كله من الله سبحانه يهبه لمن يشاء من عباده .فأرسل الله تعالى موسى الى مجمع البحرين ليلتقي بالعبد الصالح الذي يفوقه علماً .

( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا*قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا *  قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) .

في هذه الآيات إشارة إلى أنَّ علمَ الإنسان محدودٌ ، وحتى الأنبياء وهم صفوة عباد الله قد لا يدركون على الفور حكمة الله عز وجل في تصريفه للأمور .
وهذا درس لنا جميعا بأننا يجب أن نسلم إلى علم الله عز وجل ، وأن نصبر على حكمته في تقدير الأمور وتدبيرها وأن لا نبدي أي اعتراض على حكمة الله سبحانه وتعالى التي لا يتأتى لنا دائما إدراكها .

(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)

نلاحظ في الآيات السابقة أن العبد الصالح نسبَ الإرادة في إحداث العيب أو الضرر في السفينة إلى نفسه مباشرة ، أما في المشهدين القرآنيين الآخرين نسبَ فعله مباشرة إلى إرادة الله سبحانه وتعالى. وهنا أود أن أشير إلى أن هذه الأفعال كلها قام بها العبد الصالح بأمر الله سبحانه.

أقول وبالله التوفيق أن المشهد الذي يتعلق بالسفينة ليس غيبياً بالنسبة لجميع الناس الذين عاشوا في تلك الحقبة فمن المؤكد أن بعض الناس علموا أن الملك يأخذ السفن عنوة ، وبالتالي فهذا العلم ليس غيبياً بحتاً(بالنسبة لموسى عليه السلام كان الأمر غيبيا) وهذا الفعل يتقبله البشر الذين عرفوا ما قام به الملك . بالإضافة إلى أن هذا الفعل قد تم انجاز الغاية منه بمجرد إحداث العيب فالملك من المؤكد لن يأخذ سفينة غير صالحة .

أما بالنسبة للمشهدين القرآنيين الآخرين فهما من الواضح أنهما غيبيان بالنسبة للبشر وبالتالي نسب القيام بهذين الأمرين مباشرة إلى عالم الغيب والشهادة .

ففي المشهد الثاني الهدف أو الغاية لم تتم بمجرد قتل الغلام إنما ستكتمل بأن يرزق الله سبحانه وتعالى هذين الوالدين مولوداً صالحاً طاهراً ، وهذا من اختصاص الله سبحانه وتعالى وليس للعبد الصالح ولا لغيره من البشر أيَّ دور في ذلك .
والمشهد الثالث كذلك لا تتم الغاية من الفعل بمجرد بناء الجدار فقد يخرب مرة أخرى أو يحدث أمر ما فيضيع الكنز فالعبد الصالح ولا أحد ٌ من البشر  يستطيع حفظ الكنز لليتيمين ، لكن الأمر بيد الله عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض الذي تعهد بحفظ الكنز حتى يبلغا أشدهما ، فأمره نافذ سبحانه وتعالى . هذا ما خطر في بالي البارحة والله أعلم .


                                                                                                                                               ماهر قرواني

 
Arabization 3alymni-b